سورة الفرقان · الآية ٥٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى: أنه ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، مسيطرا على الخلق، ولا جعله ملكا، ولا عنده خزائن الأشياء، وإنما أرسله { مبشرا } يبشر من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل { ونذيرا } ينذر من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، وذلك مستلزم لتبيين ما به البشارة، وما تحصل به النذارة، من الأوامر والنواهي، وإنك - يا محمد - لا تسألهم على إبلاغهم القرآن والهدى أجرا، حتى يمنعهم ذلك من اتباعك، ويتكلفون من الغرامة { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } أي: إلا من شاء، أن ينفق نفقة في مرضاة ربه وسبيله، فهذا وإن رغبتكم فيه، فلست أجبركم عليه، وليس أيضا أجرا لي عليكم، وإنما هو راجع لمصلحتكم، وسلوككم للسبيل الموصلة إلى ربكم، ثم أمره أن يتوكل عليه ويستعين به، فقال: { وتوكل على الحي } الذي له الحياة الكاملة المطلقة { الذي لا يموت وسبح بحمده } أي: اعبده وتوكل عليه في الأمور المتعلقة بك والمتعلقة بالخلق. { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } يعلمها، ويجازي عليها، فأنت ليس عليك من هداهم شيء، وليس عليك حفظ أعمالهم، وإنما ذلك كله، بيد الله { الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى } بعد ذلك { على العرش } الذي هو سقف المخلوقات، وأعلاها، وأوسعها، وأجملها. { الرحمن } استوى على عرشه، الذي وسع السماوات والأرض باسمه الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء، فاستوى على أوسع المخلوقات، بأوسع الصفات. فأثبت بهذه الآية، خلقه للمخلوقات، واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم، وعلوه فوق العرش، ومباينته إياهم. { فسئل به خبيرا } يعني بذلك نفسه الكريمة، فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله، وقد أخبركم بذلك، وأبان لكم من عظمته، ما تستعدون به من معرفته، فعرفه العارفون، وخضعوا لجلاله، واستكبر عن عبادته الكافرون، واستنكفوا عن ذلك، ولهذا قال: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي: وحده الذي أنعم عليكم بسائر النعم، ودفع عنكم جميع النقم. { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل -يعني ابن عبيد الله -عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج (1) المدينة، فسجد له، فقال: "لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت" وهذا مرسل حسن (2) . [وقوله تعالى: {وسبح بحمده} ، أي: اقرن بين حمده وتسبيحه] (3) ؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] . وقال: {فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} [الملك: 29] . وقوله: {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} أي: لعلمه (4) التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة. وقوله: {الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، {في ستة أيام ثم استوى على العرش [الرحمن] } (5) ، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين. وقوله: {ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا} أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه، على (6) سيد ولد آدم على الإطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى -فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب رد نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله، وأفعاله فهو الحق، وما يخالفها (7) فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا من كان، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المستحسنة الحميدة، وننهى فيه عن الظلم والأمور القبيحة، والأخلاق الردية، والأفعال الذميمة {وبالحق نزل} [الإسراء: 105] يقول: وبذلك نزل من عند الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/١١٣) ↗التحرير والتنوير
والفرقان: القرآن وهو في الأصل مصدر فرق، كما في قوله: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان [الأنفال: 41] وقوله: يجعل لكم فرقانا [الأنفال: 29] . وجعل علما بالغلبة على القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل لما بين من دلائل الحق ودحض الباطل. وقد تقدم في قوله تعالى: وأنزل الفرقان في سورة آل عمران [4] . وإيثار اسم الفرقان بالذكر هنا للإيماء إلى أن ما سيذكر من الدلائل على الوحدانية وإنزال القرآن دلائل قيمة تفرق بين الحق والباطل. ووصف النبيء ب عبده تقريب له وتمهيد لإبطال طلبهم منه في قوله: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام [الفرقان: 7] الآية. والمراد ب للعالمين جميع الأمم من البشر لأن العالم يطلق على الجنس وعلى النوع وعلى الصنف بحسب ما يسمح به المقام، والنذارة لا تكون إلا للعقلاء ممن قصدوا بالتكليف. وقد مضى الكلام على لفظ العالمين في سورة الفاتحة [2] . والنذير: المخبر بسوء يقع، وهو فعيل بمعنى مفعل بصيغة اسم الفاعل مثل الحكيم. والاقتصار في وصف الرسول هنا على النذير دون البشير كما في قوله: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا [سبأ: 28] لأن المقام هنا لتهديد المشركين إذ كذبوا بالقرآن وبالرسول عليه الصلاة والسلام. فكان مقتضيا لذكر النذارة دون البشارة، وفي ذلك اكتفاء لأن البشارة تخطر ببال السامع عند ذكر النذارة. وسيجيء: وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا في هذه السورة [56] . وفي هذه الآية جمع بين التنويه بشأن القرآن وأنه منزل من الله وتنويه بشأن النبيء عليه الصلاة والسلام ورفعة منزلته عند الله وعموم رسالته. [2] 2] الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣١٧) ↗