سورة الفرقان · الآية ١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قل لهم - مبينا لسفاهة رأيهم، واختيارهم الضار على النافع -: { أذلك } الذي وصفت لكم من العذاب { خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون } التي زادها تقوى الله، فمن قام بالتقوى، فالله قد وعده إياها، { كانت لهم جزآء } على تقواهم { ومصيرا } موئلا يرجعون إليها، ويستقرون فيها، ويخلدون دائما أبدا. { لهم فيها ما يشآءون } أي: يطلبون، وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم، والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والنساء الجميلات، والقصور العاليات، والجنات، والحدائق المرجحنة، والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها، وكثرة أصنافها، والأنهار التي تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاؤوا يصرفونها، ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن، وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهارا من خمر لذة للشاربين، وأنهارا من عسل مصفى، وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات شجية، تأخذ من حسنها بالقلوب ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، وأعلى من ذلك كله، التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم، وسماع كلامه، والحظوة بقربه، والسعادة برضاه، والأمن من سخطه، واستمرار هذا النعيم ودوامه، وزيادته على ممر الأوقات، وتعاقب الآنات { كان } دخولها والوصول إليها { على ربك وعدا مسئولا } يسأله إياها، عباده المتقون بلسان حالهم، ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار؟ وأي: العاملين، عمال دار الشقاء، أو عمال دار السعادة، أولى بالفضل والعقل والفخر، يا أولي الألباب؟ لقد وضح الحق، واستنار السبيل، فلم يبق للمفرط عذر في تركه الدليل، فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء، وأقوام بالسعادة، أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، ونستغيث بك اللهم من حالة الأشقياء، ونسألك المعافاة منها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفرقان ١٥–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
سورة "الصافات" حال أهل الجنة، وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال: {أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين * فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون} [الصافات: 62 -70] . يقول تعالى مخبرا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله، من الملائكة وغيرهم، فقال: {ويوم نحشرهم (1) وما يعبدون من دون الله} . قال مجاهد: عيسى، والعزير، والملائكة. {فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} أي: فيقول الرب تبارك وتعالى [للمعبودين] (2) أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم، من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم} (3) إلى آخر الآية؛ [المائدة: 116 -117] ولهذا قال تعالى مخبرا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} قرأ الأكثرون بفتح "النون" من قوله: {نتخذ من دونك من أولياء} أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم قالوا (4) ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40 -41] . (5) وقرأ آخرون: "ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء" أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بستان الخلد الذي يدوم نعيمه ولا يبيد، الذي وعد من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما أمره ونهاه؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤١٣) ↗التحرير والتنوير
ذلك وصف داخل جهنم ووصف وضع المشركين فيها بقوله: مكانا ضيقا وقوله: مقرنين تفننا في أسلوب الكلام. والإلقاء: الرمي. وهو هنا كناية عن الإهانة. وانتصب مكانا على نزع الخافض، أي في مكان ضيق. وقرأ الجمهور ضيقا بتشديد الياء، وقرأه ابن كثير ضيقا بسكون الياء وكلاهما للمبالغة في الوصف مثل: ميت وميت، لأن الضيق بالتشديد صيغة تمكن الوصف من الموصوف، والضيق بالسكون وصف بالمصدر. ومقرنين حال من ضمير ألقوا أي مقرنا بعضهم في بعض كحال الأسرى والمساجين أن يقرن عدد منهم في وثاق واحد، كما قال تعالى: وآخرين مقرنين في الأصفاد [ص: 38] . والمقرن: المقرون، صيغت له مادة التفعيل للإشارة إلى شدة القرن. والدعاء: النداء بأعلى الصوت، والثبور: الهلاك، أي نادوا: يا ثبورنا، أو وا ثبوراه بصيغة الندبة، وعلى كلا الاحتمالين فالنداء كناية عن التمني، أي تمنوا حلول الهلاك فنادوه كما ينادى من يطلب حضوره، أو ندبوه كما يندب من يتحسر على فقده، أي تمنوا الهلاك للاستراحة من فظيع العذاب. وجملة: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا إلى آخرها مقولة لقول محذوف، أي يقال لهم، ووصف الثبور با لكثير إما لكثرة ندائه بالتكرير وهو كناية عن عدم حصول الثبور لأن انتهاء النداء يكون بحضور المنادى، أو هو يأس يقتضي تكرير التمني أو التحسر. [15، 16] 16] قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣٣٤) ↗