سورة الفرقان · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من مقالة المكذبين للرسول، الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه: هلا كان ملكا أو ملكا، أو يساعده ملك، فقالوا: { مال هذا الرسول } أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء. { يأكل الطعام } وهذا من خصائص البشر، فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، { ويمشي في الأسواق } للبيع والشراء، وهذا - بزعمهم - لا يليق بمن يكون رسولا مع أن الله قال: ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20]. { لولا أنزل إليه ملك } أي: هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، { فيكون معه نذيرا } وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها. { أو يلقى إليه كنز } أي: مال مجموع من غير تعب، { أو تكون له جنة يأكل منها } فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. { وقال الظالمون } حملهم على القول، ظلمهم لا اشتباه منهم، { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } هذا، وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن. ولما كانت هذه الأقوال منهم، عجيبة جدا، قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } وهي: أنه هلا كان ملكا، وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك، لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق، أو أنه كان مسحورا. { فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } قالوا أقوالا متناقضة، كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية، بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها، يجزم العاقل ببطلانها، ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام} ، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه، {ويمشي في الأسواق} أي: يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة، {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} يقولون (1) : هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} [الزخرف: 53] . وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم؛ ولهذا قال: {أو يلقى إليه كنز} أي: علم كنز [يكون] (2) ينفق منه، {أو تكون له جنة يأكل منها} أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} . قال الله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر" وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك؛ ولهذا قال: {فضلوا} أي: عن طريق الهدى، {فلا يستطيعون سبيلا} وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد ومنهج متحد، يصدق بعضه بعضا. ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال [تعالى] (3) {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} . قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا، سواء كان كبيرا أو صغيرا (4) . وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة؛ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى أحد من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {تبارك الذي إن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدقون بالثواب والعقاب، تكذيبا منهم بالقيامة وبعث الله الأموات أحياء لحشر القيامة. {وأعتدنا} [النساء: 37] يقول: وأعددنا لمن كذب ببعث الله الأموات أحياء بعد فنائهم لقيام الساعة، نارا تسعر عليهم وتتقد. {إذا رأتهم من مكان بعيد} [الفرقان: 12] يقول: إذا رأت هذه النار التي أعتدناها لهؤلاء المكذبين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٠٨) ↗التحرير والتنوير
على تأويل ابن عطية من الوعد بإيتائه ذلك في الآخرة، أي بل هم لا يقنعون بأن حظ الرسول عند ربه ليس في متاع الدنيا الفاني الحقير ولكنه في خيرات الآخرة الخالدة غير المتناهية، أي أن هذا رد عليهم ومقنع لهم لو كانوا يصدقون بالساعة ولكنهم كذبوا بها فهم متمادون على ضلالهم لا تقنعهم الحجج. والساعة: اسم غلب على عالم الخلود، تسمية باسم مبدئه وهو ساعة البعث. وإنما قصر تكذيبهم على الساعة لأنهم كذبوا بالبعث فهم بما وراءه أحرى تكذيبا. وجملة: وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا معترضة بالوعيد لهم، وهو لعمومه يشمل المشركين المتحدث عنهم، فهو تذييل. ومن غرضه مقابلة ما أعد الله للمؤمنين في العاقبة بما أعده للمشركين. والسعير: الالتهاب، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي مسعور، أي زيد فيها الوقود، وهو معامل معاملة المذكر لأنه من أحوال اللهب، وتقدم في قوله تعالى: كلما خبت زدناهم سعيرا في سورة الإسراء [97] . وقد يطلق علما بالغلبة على جهنم وذلك على حذف مضاف، أي ذات سعير. [12- 14] 14] إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) تخلص من اليأس من اقتناعهم إلى وصف السعير الذي أعد لهم، وأجري على السعير ضمير رأتهم بالتأنيث لتأويل السعير بجهنم إذ هو علم عليها بالغلبة كما تقدم. وإسناد الرؤية إلى النار استعارة والمعنى: إذا سيقوا إليها فكانوا من النار بمكان ما يرى الرائي من وصل إليه سمعوا لها تغيظا وزفيرا من مكان
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣٣٢) ↗