سورة النور · الآية ٦٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان، عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا وأدبهم مع رسوله وولي الأمر منهم، فقال: { إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شؤونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر، فلا يؤذن له. والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن، وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان، ولهذا قال: { واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم } يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر. { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا } أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم ودعائكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فإذا دعاكم فأجيبوه وجوبا، حتى إنه تجب إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في حال الصلاة، وليس أحد إذا قال قولا يجب على الأمة قبول قوله والعمل به، إلا الرسول، لعصمته، وكوننا مخاطبين باتباعه، قال تعالى: يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] وكذلك لا تجعلوا دعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فلا تقولوا: " يا محمد " عند ندائكم، أو " يا محمد بن عبد الله " …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [يونس: 61] ، (7) وقال تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر. وقال تعالى: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون [إنه عليم بذات الصدور] } [هود: 5] (8) ، وقال تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد:10] ، وقال تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود: 6] ، وقال: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] .والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وقوله: {ويوم يرجعون إليه} أي: ويوم ترجع (9) الخلائق إلى الله -وهو يوم القيامة - {فينبئهم بما عملوا} أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا، من جليل وحقير، وصغير وكبير، كما قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [القيامة: 13] . وقال: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] . ولهذا قال هاهنا: {ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم} والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٩١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من عذاب ربه، وإنما الأشياء كلها للذي إليه عقابه، ولو كانت له الأشياء التي هي في الأرض، ثم افتدى بما لم يقبل منه بدلا من عذابه فيصرف بها عنه العذاب، فكيف وهو لا شيء له يفتدي به منه، وقد حق عليه عذاب الله. يقول الله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٩٢) ↗التحرير والتنوير
والمخالفة: المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر، ففعلها متعد. وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون الله، وتعدية فعل المخالفة بحرف (عن) لأنه ضمن معنى الصدود كما عدي ب (إلى) في قوله تعالى: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه لما ضمن معنى الذهاب. يقال خالفه إلى الماء، إذا ذهب إليه دونه، ولو تركت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام. وضمير عن أمره عائد إلى الله تعالى. والأمر هو ما تضمنه قوله: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده فكأنه قال: اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر. وهذا كقول ابن أبي ربيعة. فقلن لها سرا فديناك لا يرح ... صحيحا وإن لم تقتليه فألمم فجعل قولهن: «لا يرح صحيحا» وهو نهي في معنى: اقتليه، فبنى عليه قوله: «وإن لم تقتليه فألمم» . والحذر: تجنب الشيء المخيف. والفتنة: اضطراب حال الناس، وقد تقدمت عند قوله تعالى: والفتنة أشد من القتل في البقرة [191] . والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا، وهو عذاب القتل. [64] ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) تذييل لما تقدم في هذه السورة كلها. وافتتاحه بحرف التنبيه إيذان بانتهاء الكلام وتنبيه للناس ليعوا ما يرد بعد حرف التنبيه، وهو أن الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣١١) ↗