سورة النور · الآية ٥٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حالة المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد من المنافقين، ومن في قلوبهم مرض وضعف إيمان أنهم يقسمون بالله، { لئن أمرتهم } فيما يستقبل، أو لئن نصصت عليهم حين خرجت { ليخرجن } والمعنى الأول أولى. قال الله - رادا عليهم -: { قل لا تقسموا } أي: لا نحتاج إلى إقسامكم ولا إلى أعذاركم، فإن الله قد نبأنا من أخباركم، وطاعتكم معروفة، لا تخفى علينا، قد كنا نعرف منكم التثاقل والكسل من غير عذر، فلا وجه لعذركم وقسمكم، إنما يحتاج إلى ذلك، من كان أمره محتملا وحاله مشتبهة، فهذا ربما يفيده العذر براءة، وأما أنتم فكلا ولما، وإنما ينتظر بكم ويخاف عليكم حلول بأس الله ونقمته، ولهذا توعدهم بقوله: { إن الله خبير بما تعملون } فيجازيكم عليها أتم الجزاء، هذه حالهم في نفس الأمر، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام، فوظيفته أن يأمركم وينهاكم، ولهذا قال: { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن } امتثلوا، كان حظكم وسعادتكم، وإن { تولوا فإنما عليه ما حمل } من الرسالة، وقد أداها. { وعليكم ما حملتم } من الطاعة، وقد بانت حالكم وظهرت، فبان ضلالكم وغيكم واستحقاقكم العذاب. { وإن تطيعوه تهتدوا } إلى الصراط المستقيم، قولا وعملا، فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، وبدون ذلك، لا يمكن، بل هو محال. { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } أي: تبليغكم البين الذي لا يبقي لأحد شكا ولا شبهة، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، بلغ البلاغ المبين، وإنما الذي يحاسبكم ويجازيكم هو الله تعالى، فالرسول ليس له من الأمر شيء، وقد قام بوظيفته.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النور ٥٣–٥٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} [الحشر: 11، 12] وقيل: المعنى في قوله: {طاعة معروفة} أي: ليكن أمركم طاعة معروفة، أي: بالمعروف من غير حلف ولا إقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم. {إن الله خبير بما تعملون} أي: هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة -والباطن بخلافه، وإن راج على المخلوق (4) -فالخالق، تعالى، يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله. وقوله: {فإن تولوا} أي: تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به، {فإنما عليه ما حمل} أي: إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، {وعليكم ما حملتم} أي: من ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه، {وإن تطيعوه تهتدوا} ، وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم {صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى: 53] . وقوله: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} كقوله: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، وقوله {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21، 22] . وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل -يقال له: شعياء -أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي. فقام فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض انصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنا ويدبر أمرا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام (5) في الغيطان، والأنهار في الصحاري، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميا من الأميين، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه. أبعثه مبشرا ونذيرا، لا يقول
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٧٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{أطيعوا الله} [آل عمران: 32] أيها القوم فيما أمركم به ونهاكم عنه، و {أطيعوا الرسول} [النساء: 59] فإن طاعته لله طاعة. {فإن تولوا} [آل عمران: 32] يقول: فإن تعرضوا وتدبروا عما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهاكم عنه، وتأبوا أن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٤٤) ↗التحرير والتنوير
فعلى احتمال أن يكون النهي عن القسم مستعملا في النهي عن تكريره يكون المعنى من قبيل التهكم، أي لا حرمة للقسم فلا تعيدوه فطاعتكم معروفة، أي معروف وهنها وانتفاؤها. وعلى احتمال استعمال النهي في عدم المطالبة باليمين يكون المعنى: لماذا تقسمون أفأنا أشك في حالكم فإن طاعتكم معروفة عندي، أي أعرف عدم وقوعها، والكلام تهكم أيضا. وعلى احتمال استعمال النهي في التسوية فالمعنى: قسمكم ونفيه سواء لأن أيمانكم فاجرة وطاعتكم معروفة. أو يكون طاعة مبتدأ محذوف الخبر، أي طاعة معروفة أولى من الأيمان، ويكون وصف معروفة مشتقا من المعرفة بمعنى العلم، أي طاعة تعلم وتتحقق أولى من الأيمان على طاعة غير واقعة، وهو كالعرفان في قولهم: لا أعرفنك تفعل كذا. وإن كان النهي مستعملا في حقيقته فالمعنى: لا تقسموا هذا القسم، أي على الخروج من دياركم وأموالكم لأن الله لا يكلفكم الطاعة إلا في معروف، فيكون وصف معروفة مشتقا من العرفان، أي عدم النكران كقوله تعالى: ولا يعصينك في معروف [الممتحنة: 12] . وجملة: إن الله خبير بما تعملون صالحة لتذييل الاحتمالات المتقدمة، وهي تعليل لما قبلها. [54] 54] قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) تلقين آخر للرسول- عليه الصلاة والسلام- بما يرد بهتانهم بقلة الاكتراث بمواعيدهم الكاذبة وأن يقتصروا من الطاعة على طاعة الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٧٩) ↗