سورة النور · الآية ٥٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حالة الظالمين، ممن في قلبه مرض وضعف إيمان، أو نفاق وريب وضعف علم، أنهم يقولون بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة، ثم لا يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم عن الطاعة توليا عظيما، بدليل قوله: { منهم معرضون } فإن المتولي، قد يكون له نية عود ورجوع إلى ما تولى عنه، وهذا المتولي معرض، لا التفات له، ولا نظر لما تولى عنه، وتجد هذه الحالة مطابقة لحال كثير ممن يدعي الإيمان والطاعة لله وهو ضعيف الإيمان، تجده لا يقوم بكثير من العبادات، خصوصا: العبادات التي تشق على كثير من النفوس، كالزكوات، والنفقات الواجبة والمستحبة، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم } أي: إذا صار بينهم وبين أحد حكومة، ودعوا إلى حكم الله ورسوله { إذا فريق منهم معرضون } يريدون أحكام الجاهلية، ويفضلون أحكام القوانين غير الشرعية على الأحكام الشرعية، لعلمهم أن الحق عليهم، وأن الشرع لا يحكم إلا بما يطابق الواقع، { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه } أي: إلى حكم الشرع { مذعنين } وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي، وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم، فليسوا ممدوحين في هذه الحال، ولو أتوا إليه مذعنين، لأن العبد حقيقة، من يتبع الحق فيما يحب ويكره، وفيما يسره ويحزنه، وأما الذي يتبع الشرع عند موافقة هواه، وينبذه عند مخالفته، ويقدم الهوى على الشرع، فليس بعبد على الحقيقة، قال الله في لومهم على الإعراض عن الحكم الشرعي: { أفي قلوبهم مرض } أي: علة، أخرجت القلب عن صحته وأزالت حاسته، فصار بمنزلة المريض، الذي يعرض عما ينفعه، ويقبل على ما يضره، { أم ارتابوا } أي: شكوا، وقلقت قلوبهم من حكم الله ورسوله، واتهموه أنه لا يحكم بالحق، { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } أي: يحكم عليهم حكما ظالما جائرا، وإنما هذا وصفهم { بل أولئك هم الظالمون }. وأما حكم الله ورسوله، ففي غاية العدالة والقسط، وموافقة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… [النساء: 60، 61] . وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء بن (1) أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا: "من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له" (2) . وقوله: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} ، أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله: {مذعنين} وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطله ثم. فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه؛ ولهذا لما خالف الحق قصده، عدل عنه إلى غيره؛ ولهذا قال تعالى: {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم. وأيا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو عليه منطو من هذه الصفات. وقوله: {بل أولئك هم الظالمون} أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٧٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إلى ذلك، قبل الذين يدعونهم إلى الله ورسوله، يأتوا إلى رسول الله مذعنين، يقول {مذعنين} [النور: 49] منقادين لحكمه، PageEndV17P342 مقرين به، طائعين غير مكرهين؛ يقال منه: قد أذعن فلان بحقه، إذا أقر به طائعا غير مستكره، وانقاد له وسلم وكان مجاهد فيما ذكر عنه يقول في ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٤١) ↗التحرير والتنوير
(46) تذييل للدلائل والعبر السالفة وهو نتيجة الاستدلال ولذلك ختم بقوله: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، أي إن لم يهتد بتلك الآيات أهل الضلالة فذلك لأن الله لم يهدهم لأنه يهدي من يشاء. والمراد بالآيات هنا آيات القرآن كما يقتضيه فعل أنزلنا ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها بعكس قوله السابق ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات [النور: 34] . ولما كان المقصود من هذا إقامة الحجة دون الامتنان لم يقيد إنزال الآيات بأنه إلى المسلمين كما قيد في قوله تعالى قبله: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات [النور: 34] كما تقدم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب مبينات بفتح الياء على صيغة اسم المفعول، أي بينها الله ووضحها ببلاغتها وقوة حجتها. وقرأ الباقون بكسر الياء على صيغة اسم الفاعل، فإسناد التبيين إلى الآيات على هذه القراءة مجاز عقلي لأنها سبب البيان. والمعنى أن دلائل الحق ظاهرة ولكن الله يقدر الهداية إلى الحق لمن يشاء هدايته. [47- 50] ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٦٧) ↗