سورة النور · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حالة الظالمين، ممن في قلبه مرض وضعف إيمان، أو نفاق وريب وضعف علم، أنهم يقولون بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة، ثم لا يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم عن الطاعة توليا عظيما، بدليل قوله: { منهم معرضون } فإن المتولي، قد يكون له نية عود ورجوع إلى ما تولى عنه، وهذا المتولي معرض، لا التفات له، ولا نظر لما تولى عنه، وتجد هذه الحالة مطابقة لحال كثير ممن يدعي الإيمان والطاعة لله وهو ضعيف الإيمان، تجده لا يقوم بكثير من العبادات، خصوصا: العبادات التي تشق على كثير من النفوس، كالزكوات، والنفقات الواجبة والمستحبة، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم } أي: إذا صار بينهم وبين أحد حكومة، ودعوا إلى حكم الله ورسوله { إذا فريق منهم معرضون } يريدون أحكام الجاهلية، ويفضلون أحكام القوانين غير الشرعية على الأحكام الشرعية، لعلمهم أن الحق عليهم، وأن الشرع لا يحكم إلا بما يطابق الواقع، { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه } أي: إلى حكم الشرع { مذعنين } وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي، وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم، فليسوا ممدوحين في هذه الحال، ولو أتوا إليه مذعنين، لأن العبد حقيقة، من يتبع الحق فيما يحب ويكره، وفيما يسره ويحزنه، وأما الذي يتبع الشرع عند موافقة هواه، وينبذه عند مخالفته، ويقدم الهوى على الشرع، فليس بعبد على الحقيقة، قال الله في لومهم على الإعراض عن الحكم الشرعي: { أفي قلوبهم مرض } أي: علة، أخرجت القلب عن صحته وأزالت حاسته، فصار بمنزلة المريض، الذي يعرض عما ينفعه، ويقبل على ما يضره، { أم ارتابوا } أي: شكوا، وقلقت قلوبهم من حكم الله ورسوله، واتهموه أنه لا يحكم بالحق، { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } أي: يحكم عليهم حكما ظالما جائرا، وإنما هذا وصفهم { بل أولئك هم الظالمون }. وأما حكم الله ورسوله، ففي غاية العدالة والقسط، وموافقة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولا بألسنتهم: {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك} أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون؛ ولهذا قال تعالى: {وما أولئك بالمؤمنين} . وقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدى، فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه. وهذه كقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 60، 61] . وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء بن (1) أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا: "من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له" (2) . وقوله: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} ، أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله: {مذعنين} وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطله ثم. فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه؛ ولهذا لما خالف الحق قصده، عدل عنه إلى غيره؛ ولهذا قال تعالى: {أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم. وأيا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو عليه منطو من هذه الصفات. وقوله: {بل أولئك هم الظالمون} أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك. قال ابن أبي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{ثم يتولى فريق منهم} [آل عمران: 23] يقول: ثم تدبر كل طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلى المحاكمة إلى غيره خصمها. {وما أولئك بالمؤمنين} [المائدة: 43] يقول: وليس قائلو هذه المقالة، يعني قوله: {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا} [النور: 47] بالمؤمنين، لتركهم الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعراضهم عنه إذا دعوا إليه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٤١) ↗التحرير والتنوير
فالذي أختاره أن يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقوله تعالى: نصيبا مفروضا [النساء: 7] وقوله: ما كان على النبيء من حرج فيما فرض الله له [الأحزاب: 38] . وتعدية فعل «فرضنا» إلى ضمير السورة من قبيل ما يعبر عنه في مسائل أصول الفقه من إضافة الأحكام إلى الأعيان بإرادة أحوالها، مثل حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] ، أي أكلها. فالمعنى: وفرضنا آياتها. وسنذكر قريبا ما يزيد هذا بيانا عند قوله تعالى: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات [النور: 34] وكيف قوبلت الصفات الثلاث المذكورة هنا بالصفات الثلاث المذكورة هنالك. وقرأ الجمهور: وفرضناها بتخفيف الراء بصيغة الفعل المجرد. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وفرضناها بتشديد الراء للمبالغة مثل نزل المشدد. ونقل في حواشي «الكشاف» عن الزمخشري قوله: كأنه عامل في دين سؤدده ... بسورة أنزلت فيه وفرضت وهذان الحكمان وهما الإنزال والفرض ثبتا لجميع السورة. وأما قوله: أنزلنا فيها آيات بينات فهو تنويه آخر بهذه السورة تنويه بكل آية اشتملت عليها السورة: من الهدي إلى التوحيد، وحقية الإسلام، ومن حجج وتمثيل، وما في دلائل صنع الله على سعة قدرته وعلمه وحكمته، وهي ما أشار إليه قوله: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين [النور: 34] وقوله: ألم تر أن الله يزجي سحابا إلى قوله: صراط مستقيم [النور: 43- 46] . ومن الآيات البينات التي أنزلت فيها إطلاع الله رسوله على دخائل المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون إلى قوله: إن الله خبير بما تعملون [النور: 48- 53] فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ثانيا. فالآيات جمع آية وهي قطعة من الكلام القرآني دالة على معنى مستقل وتقدم بيانها في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٤٣) ↗