البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النور · الآية ٤٠

﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذان مثلان، ضربهما الله لأعمال الكفار في بطلانها وذهابها سدى وتحسر عامليها منها فقال: { والذين كفروا } بربهم وكذبوا رسله { أعمالهم كسراب بقيعة } أي: بقاع، لا شجر فيه ولا نبت. { يحسبه الظمآن مآء } شديد العطش، الذي يتوهم ما لا يتوهم غيره، بسبب ما معه من العطش، وهذا حسبان باطل، فيقصده ليزيل ظمأه، { حتى إذا جآءه لم يجده شيئا } فندم ندما شديدا، وازداد ما به من الظمأ، بسبب انقطاع رجائه، كذلك أعمال الكفار، بمنزلة السراب، ترى ويظنها الجاهل الذي لا يدري الأمور، أعمالا نافعة، فيغره صورتها، ويخلبه خيالها، ويحسبها هو أيضا أعمالا نافعة لهواه، وهو أيضا محتاج إليها بل مضطر إليها، كاحتياج الظمآن للماء، حتى إذ قدم على أعماله يوم الجزاء، وجدها ضائعة، ولم يجدها شيئا، والحال إنه لم يذهب، لا له ولا عليه، بل { ووجد الله عنده فوفه حسابه }. لم يخف عليه من عمله نقير ولا قطمير، ولن يعدم منه قليلا ولا كثيرا، { والله سريع الحساب } فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بد من إتيانه، ومثلها الله بالسراب الذي بقيعة، أي: لا شجر فيه ولا نبات، وهذا مثال لقلوبهم، لا خير فيها ولا بر، فتزكو فيها الأعمال وذلك للسبب المانع، وهو الكفر. والمثل الثاني، لبطلان أعمال الكفار { أو كظلمات في بحر لجي } بعيد قعره، طويل مداه { يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض } ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت الظلمة جدا، بحيث أن الكائن في تلك الحال { إذآ أخرج يده لم يكد يراها } مع قربها إليه، فكيف بغيرها، كذلك الكفار، تراكمت على قلوبهم الظلمات، ظلمة الطبيعة، التي لا خير فيها، وفوقها ظلمة الكفر، وفوق ذلك، ظلمة الجهل، وفوق ذلك، ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في الظلمة متحيرين، وفي غمرتهم يعمهون، وعن الصراط المستقيم مدبرين، وفي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… {ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} . وهكذا روي عن أبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغير واحد. وفي الصحيحين (2) : أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: أي ربنا، عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فينطلقون فيتهافتون فيها (3) . وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب. فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر، الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي} : قال قتادة: وهو العميق. {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها} أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يدري أين يذهب، ولا [هو] (4) يعرف حال من يقوده، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري. وقال العوفي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: {يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب} يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] ، وكقوله (5) : {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: 23] . وقال أبي بن كعب في قوله: {ظلمات بعضها فوق بعض} فهو يتقلب في خمسة من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات، إلى النار. وقال الربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك أيضا. وقوله: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أنها عملت على خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فيها، وعلى غير هدى، مثل ظلمات في بحر لجي. ونسب البحر إلى اللجة، وصفا له بأنه عميق كثير الماء. ولجة البحر: معظمه. {يغشاه موج} [النور: 40] يقول: يغشى البحر موج، {من فوقه موج} [النور: 40] يقول: من فوق الموج موج آخر يغشاه، {من فوقه سحاب} [النور: 40] يقول: من فوق الموج الثاني الذي يغشى الموج الأول سحاب. فجعل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٢٩) ↗

التحرير والتنوير

وجملة: والله سريع الحساب تذييل. والسريع: ضد البطيء. والمعنى: أنه لا يماطل الحساب ولا يؤخره عند حلول مقتضيه، فهو عام في حساب الخير والشر ولذلك كان تذييلا. واعلم أن هذا التمثل العجيب صالح لتفريق أجزائه في التشبيه بأن ينحل إلى تشبيهات واستعارات. فأعمال الكافرين شبيهة بالسراب في أن لها صورة الماء وليست بماء، والكافر يشبه الظمآن في الاحتياج إلى الانتفاع بعمله. ففي قوله: يحسبه الظمآن استعارة مصرحة، وخيبة الكافر عند الحساب تشبه خيبة الظمآن عند مجيئه السراب ففيه استعارة مصرحة، ومفاجأة الكافر بالأخذ والعتل من جند الله أو بتكوين الله تشبه مفاجأة من حسب أنه يبلغ الماء للشراب فبلغ إلى حيث تحقق أنه لا ماء فوجد عند الموضع الذي بلغه من يترصد له لأخذه أو أسره. فهنا استعارة مكنية إذ شبه أمر الله أو ملائكته بالعدو، ورمز إلى العدو بقوله: فوفاه حسابه. وتعدية فعل وجد إلى اسم الجلالة على حذف مضاف هي تعدية المجاز العقلي. [40] 40] أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) شأن أو إذا جاءت في عطف التشبيهات أن تدل على تخيير السامع أن يشبه بما قبلها وبما بعدها. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: أو كصيب من السماء في سورة البقرة [19] ، أي مع اتحاد وجه الشبه. ومنه قول امرئ القيس: يضيء سناه أو مصابيح راهب

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٥٤) ↗