سورة النور · الآية ٣٨
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: يتعبد لله { في بيوت } عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد. { أذن الله } أي: أمر ووصى { أن ترفع ويذكر فيها اسمه } هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. { ويذكر فيها اسمه } يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين: عمارة بنيان، وصيانة لها، وعمارة بذكر اسم الله، من الصلاة وغيرها، وهذا أشرف القسمين، ولهذا شرعت الصلوات الخمس والجمعة في المساجد، وجوبا عند أكثر العلماء، أو استحبابا عند آخرين. ثم مدح تعالى عمارها بالعبادة فقال: { يسبح له } إخلاصا { بالغدو } أول النهار { والآصال } آخره { رجال }. خص هذين الوقتين لشرفهما ولتيسر السير فيهما إلى الله وسهولته. ويدخل في ذلك، التسبيح في الصلاة وغيرها، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء. أي: يسبح فيها الله، رجال، وأي: رجال، ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا، ذات لذات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه، { لا تلهيهم تجارة } وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: { ولا بيع } من باب عطف الخاص على العام، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه. لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على { عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة } بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه. ولما كان ترك الدنيا شديدا على أكثر النفوس، وحب المكاسب بأنواع التجارات محبوبا لها، ويشق عليها تركه في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما ضرب الله تعالى [مثل] (1) قلب المؤمن، وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد، التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال: {في بيوت أذن الله أن ترفع} أي: أمر الله تعالى برفعها، أي: بتطهيرها من الدنس واللغو، والأفعال والأقوال التي لا تليق فيها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة: {في بيوت أذن الله أن ترفع} قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها. وكذا قال عكرمة، وأبو صالح، والضحاك، ونافع بن جبير، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة (2) وسفيان بن حسين، وغيرهم من علماء المفسرين. (3) وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله، سبحانه، ببنائها ورفعها، وأمر بعمارتها وتطهيرها. وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول: إن في التوراة مكتوبا: " ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر". رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره. وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد، واحترامها وتوقيرها، وتطييبها وتبخيرها. وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة، ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالى نذكر (4) هاهنا طرفا من ذلك، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان: فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة". أخرجاه في الصحيحين (5) . وروى ابن ماجه، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتا في الجنة" (6) . وللنسائي عن عمرو بن عبسة (7) مثله (8) . والأحاديث في هذا كثيرة جدا. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: أمر رسول الله صلى الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 37] يعني تعالى ذكره بقوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣١٥) ↗التحرير والتنوير
وانتصاب النبيء عليه الصلاة والسلام للتعليم يشبه مس النار للسراج وهذا يومىء إلى استمرار هذا الإرشاد. كما أن قوله: من شجرة يوميء إلى الحاجة إلى اجتهاد علماء الدين في استخراج إرشاده على مرور الأزمنة لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط. يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم. هذه الجمل الثلاث معترضة أو تذييل للتمثيل. والمعنى: دفع التعجب من عدم اهتداء كثير من الناس بالنور الذي أنزله الله وهو القرآن والإسلام فإن الله إذا لم يشأ هدي أحد خلقه وجبله على العناد والكفر. وأن الله يضرب الأمثال للناس مرجوا منهم التذكر بها: فمنهم من يعتبر بها فيهتدي، ومنهم من يعرض فيستمر على ضلاله ولكن شأن تلك الأمثال أن يهتدي بها غير من طبع على قلبه. وجملة: والله بكل شيء عليم تذييل لمضمون الجملتين قبلها، أي لا يعزب عن علمه شيء. ومن ذلك علم من هو قابل للهدى ومن هو مصر على غيه. وهذا تعريض بالوعد للأولين والوعيد للآخرين. [36- 38] في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٤٤) ↗