سورة المؤمنون · الآية ٩٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من مكارم الأخلاق، التي أمر الله رسوله بها فقال: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } أي: إذا أساء إليك أعداؤك، بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإساءة، مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل إساءته، ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم، فإن ذلك فضل منك على المسيء، ومن مصالح ذلك، أنه تخف الإساءة عنك، في الحال، وفي المستقبل، وأنه أدعى لجلب المسيء إلى الحق، وأقرب إلى ندمه وأسفه، ورجوعه بالتوبة عما فعل، وليتصف العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوه الشيطان، وليستوجب الثواب من الرب، قال تعالى: فمن عفا وأصلح فأجره على الله [الشورى: 40] وقال تعالى: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها أي: ما يوفق لهذا الخلق الجميل إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم [فصلت: 34-35]. وقوله { نحن أعلم بما يصفون } أي بما يقولون من الأقوال المتضمنة للكفر والتكذيب بالحق، قد أحاط علمنا بذلك، وقد حلمنا عنهم، وأمهلناهم، وصبرنا عليهم، والحق لنا، وتكذيبهم لنا، فأنت - يا محمد - ينبغي لك أن تصبر على ما يقولون، وتقابلهم بالإحسان، هذه وظيفة العبد في مقابلة المسيء من البشر، وأما المسيء من الشياطين، فإنه لا يفيد فيه الإحسان، ولا يدعو حزبه إلا ليكونوا من أصحاب السعير، فالوظيفة في مقابلته، أن يسترشد بما أرشد الله إليه رسوله فقال { وقل رب أعوذ بك } أي اعتصم بحولك وقوتك متبرئا من حولي وقوتي { من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون } أي: أعوذ بك من الشر الذي يصيبني بسبب مباشرتهم وهمزهم ومسهم، ومن الشر الذي بسبب حضورهم ووسوستهم، وهذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله، ويدخل فيها، الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان، ومن مسه ووسوسته، فإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر، وأجاب دعاءه، سلم من كل شر، ووفق لكل خير.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ٩٦–٩٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا [نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم] (1) أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم: {رب إما تريني ما يوعدون} أي: إن عاقبتهم -وإني شاهد ذلك- فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي -وصححه-: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون" (2) . وقوله: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} أي: لو شئنا لأريناك ما نحل (3) بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} ، وهذا كما قال في الآية الأخرى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 34، 35] : أي ما يلهم هذه الوصية أو الخصلة (4) أو الصفة {إلا الذين صبروا} أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح، {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي: في الدنيا والآخرة. وقوله: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} : أمره أن يستعيذ من الشياطين، لأنهم لا تنفع (5) معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف. وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" (6) . وقوله: {وأعوذ بك رب أن يحضرون} أي: في شيء من أمري؛ ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور -وذلك مطردة للشياطين (7) -عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور؛ ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت" (8) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٩٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إياه قبل أمره بحربهم. وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١٠٤) ↗التحرير والتنوير
واستعمال حرف الظرفية من قوله: في القوم الظالمين يشير إلى أنه أمر أن يسأل الكون في موضع غير موضع المشركين، وقد تحقق ذلك بالهجرة إلى المدينة فالظرفية هنا حقيقية، أي بينهم. والخبر الذي هو قوله: وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون مستعمل في إيجاد الرجاء بحصول وعيد المكذبين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا حاجة إلى إعلام الرسول بقدرة الله على ذلك. وفي قوله: أن نريك إيماء إلى أنه في منجاة من أن يلحقه ما يوعدون به وأنه سيراه مرأى عين دون كون فيه. وقد يبدو أن هذا وعد غريب لأن المتعارف أن يكون العذاب سماويا فإذا نجى الله منه بعض رسله مثل لوط فإنه يبعده عن موضع العذاب ولكن كان عذاب هؤلاء غير سماوي فتحقق في مصرع صناديدهم يوم بدر بمرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف رسول الله على القليب قليب بدر وناداهم بأسمائهم واحدا واحدا وقال لهم «لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا» . وبهذا القصد يظهر موقع حرفي التأكيد (إن) واللام من إصابة محز الإعجاز. [96] ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) لما أنبأ الله رسوله عليه الصلاة والسلام بما يلمح له بأنه منجز وعيده من الذين كذبوه فعلم الرسول والمسلمون أن الله ضمن لهم النصر أعقب ذلك بأن أمره بأن يدفع مكذبيه بالتي هي أحسن وأن لا يضيق بتكذيبهم صدره فذلك دفع السيئة بالحسنة كما هو أدب الإسلام. وسيأتي بيانه في سورة فصلت [34] عند قوله ادفع بالتي هي أحسن. وقوله نحن أعلم بما يصفون خبر مستعمل كناية عن كون الله يعامل أصحاب الإساءة لرسوله بما هم أحقاء به من العقاب لأن الذي هو أعلم بالأحوال يجري عمله على مناسب تلك الأحوال بالعدل وفي هذا تطمين لنفس الرسول صلى الله عليه وسلم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١١٩) ↗