سورة المؤمنون · الآية ٩٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أقام تعالى على المكذبين أدلته العظيمة، فلم يلتفتوا لها، ولم يذعنوا لها، حق عليهم العذاب، ووعدوا بنزوله، وأرشد الله رسوله أن يقول: { قل رب إما تريني ما يوعدون } أي: أي وقت أريتني عذابهم، وأحضرتني ذلك، { رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } أي: اعصمني وارحمني، مما ابتليتهم به من الذنوب الموجبة للنقم، واحمني أيضا من العذاب الذي ينزل بهم، لأن العقوبة العامة تعم - عند نزولها- العاصي وغيره ، قال الله في تقريب عذابهم: { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون } ولكن إن أخرناه فلحكمة، وإلا، فقدرتنا صالحة لإيقاعه فيهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ٩٣–٩٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا [نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم] (1) أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم: {رب إما تريني ما يوعدون} أي: إن عاقبتهم -وإني شاهد ذلك- فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي -وصححه-: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون" (2) . وقوله: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} أي: لو شئنا لأريناك ما نحل (3) بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة، فقال: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} ، وهذا كما قال في الآية الأخرى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: 34، 35] : أي ما يلهم هذه الوصية أو الخصلة (4) أو الصفة {إلا الذين صبروا} أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح، {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} أي: في الدنيا والآخرة. وقوله: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين} : أمره أن يستعيذ من الشياطين، لأنهم لا تنفع (5) معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف. وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" (6) . وقوله: {وأعوذ بك رب أن يحضرون} أي: في شيء من أمري؛ ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور -وذلك مطردة للشياطين (7) -عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور؛ ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت" (8) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٩٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١٠٣) ↗التحرير والتنوير
الدليل. وما يصفونه به هو ما اختصوا بوصفهم الله به من الشركاء في الإلهية ومن تعذر البعث عليه ونحو ذلك وهو الذي جرى فيه غرض الكلام. وإنما أتبع الاستدلال على انتفاء الشريك بقوله عالم الغيب والشهادة المراد به عموم العلم وإحاطته بكل شيء كما أفادته لام التعريف في الغيب والشهادة من الاستغراق الحقيقي، أي عالم كل مغيب وكل ظاهر، لدفع توهم أن يقال: إن استقلال كل إله بما خلق قد لا يفضي إلى علو بعض الآلهة على بعض، لجواز أن لا يعلم أحد من الآلهة بمقدار تفاوت ملكوته على ملكوت الآخر فلا يحصل علو بعضهم على بعض لاشتغال كل إله بملكوته. ووجه الدفع أن الإله إذا جاز أن يكون غير خالق لطائفة من المخلوقات التي خلقها غيره لئلا تتداخل القدر في مقدورات واحدة لا يجوز أن يكون غير عالم بما خلقه غيره لأن صفات العلم لا تتداخل، فإذا علم أحد الآلهة مقدار ملكوت شركائه فالعالم بأشدية ملكوته يعلو على من هو دونه في الملكوت. فظهر أن قوله عالم الغيب والشهادة من تمام الاستدلال على انتفاء الشركاء، ولذلك فرع عنه بالفاء قوله فتعالى عما يشركون. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف عالم الغيب برفع عالم على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو من الحذف الشائع في الاستعمال إذا أريد الإخبار عن شيء بعد أن أجريت عليه أخبار أو صفات. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم ويعقوب بجر عالم على الوصف لاسم الجلالة في قوله سبحان الله عما يصفون. و (ما) مصدرية. والمعنى فتعالى عن إشراكهم، أي هو أعظم من أن يكون موصوفا بكونه مشاركا في وصفه العظيم، أي هو منزه عن ذلك. [93- 95] قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١١٧) ↗