سورة المؤمنون · الآية ٩٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: بل أتينا هؤلاء المكذبين بالحق، المتضمن للصدق في الأخبار، العدل في الأمر والنهي، فما بالهم لا يعترفون به، وهو أحق أن يتبع؟ وليس عندهم ما يعوضهم عنه، إلا الكذب والظلم، ولهذا قال: { وإنهم لكاذبون }. { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } كذب يعرف بخبر الله، وخبر رسله، ويعرف بالعقل الصحيح، ولهذا نبه تعالى على الدليل العقلي، على امتناع إلهين فقال: { إذا } أي: لو كان معه آلهة كما يقولون { لذهب كل إله بما خلق } أي: لانفرد كل واحد من الإلهين بمخلوقاته، واستقل بها، ولحرص على ممانعة الآخر ومغالبته، { ولعلا بعضهم على بعض } فالغالب يكون هو الإله، وإلا فمع التمانع لا يمكن وجود العالم، ولا يتصور أن ينتظم هذا الانتظام المدهش للعقول، واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت، وهي تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على مصلحة أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللا ولا تناقضا، ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك، تقدير إلهين ربين؟!! { سبحان الله عما يصفون } قد نطقت بلسان حالها، وأفهمت ببديع أشكالها، أن المدبر لها إله واحد، كامل الأسماء والصفات، قد افتقرت إليه جميع المخلوقات، في ربوبيته لها، وفي إلهيته لها، فكما لا وجود لها ولا دوام إلا بربوبيته، كذلك، لا صلاح لها ولا قوام إلا بعبادته وإفراده بالطاعة، ولهذا نبه على عظمة صفاته بأنموذج من ذلك، وهو علمه المحيط، فقال: { عالم الغيب } أي: الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا، من الواجبات والمستحيلات والممكنات، { والشهادة } وهو ما نشاهد من ذلك { فتعالى } أي: ارتفع وعظم، { عما يشركون } به، من لا علم عنده، إلا ما علمه الله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ٩٠–٩٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الإلهية، فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا، ولا يملكون شيئا، ولا يستبدون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى: {ما (1) نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] ، فقال: {قل لمن الأرض ومن فيها} أي: من مالكها الذي خلقها ومن (2) فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات، وسائر صنوف المخلوقات {إن كنتم تعلمون. سيقولون لله} أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك (3) {قل أفلا تذكرون} [أي: لا تذكرون] (4) أنه لا تنبغي (5) العبادة إلا للخالق الرازق (6) لا لغيره. {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني: الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شأن الله أعظم من ذلك، إن (7) عرشه على سمواته هكذا" وأشار بيده مثل القبة (8) . وفي الحديث الآخر: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" (9) . ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، [وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة] (10) . وقال الضحاك، عن ابن عباس: إنما سمي عرشا لارتفاعه. وقال الأعمش عن كعب الأحبار: إن السموات والأرض في العرش، كالقنديل المعلق بين السماء والأرض. وقال مجاهد: ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وكيع، حدثنا (11) سفيان الثوري، عن عمار الدهني (12) ، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر أحد قدره. وفي رواية: إلا الله عز وجل (13) …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الملائكة بنات الله وأن الآلهة والأصنام آلهة دون الله. {بل أتيناهم بالحق} [المؤمنون: 90] اليقين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك الإسلام، ولا يعبد شيء سوى الله لأنه لا إله غيره. {وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] يقول: وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله وينحلونه من الولد والشريك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١٠١) ↗التحرير والتنوير
مغلوب على أن لا ينال المجار بأذى فمعنى لا يجار عليه لا يستطيع أحد أن يمنع أحدا من عقابه. فيفيد معنى العزة التامة. وبني فعل يجار عليه للمجهول لقصد انتفاء الفعل عن كل فاعل فيفيد العموم مع الاختصار. ولما كان تصرف الله هذا خفيا يحتاج إلى تدبر العقل لإدراكه عقب الاستفهام بقوله: إن كنتم تعلمون كما عقب الاستفهام الأول بمثله حثا لهم على علمه والاهتداء إليه. ثم عقب بما يدل على أنهم إذا تدبروا علموا فقيل سيقولون لله. وقرأ الجمهور سيقولون لله بلام الجر داخلة على اسم الجلالة مثل سالفه. وقرأه أبو عمرو ويعقوب بدون لام وقد علمت ذلك في نظيره السابق. (وأنى) يجوز أن تكون بمعنى (من أين) كما تقدم في سورة آل عمران [37] قال يا مريم أنى لك هذا والاستفهام تعجيبي. والسحر مستعار لترويج الباطل بجامع تخيل ما ليس بواقع واقعا. والمعنى: فمن أين اختل شعوركم فراج عليكم الباطل. فالمراد بالسحر ترويج أيمة الكفر عليهم الباطل حتى جعلوهم كالمسحورين. [90] بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) إضراب لإبطال أن يكونوا مسحورين، أي بل ليس الأمر كما خيل إليهم. فالذي أتيناهم به الحق يعني القرآن. والباء للتعدية كما يقال: ذهب به أي أذهبه. وهذا كقوله آنفا بل آتيناهم بذكرهم [المؤمنون: 71] . والعدول عن الخطاب من قوله فأنى تسحرون [المؤمنون: 89] إلى الغيبة التفات لأنهم الموجه إليهم الكلام في هذه الجملة. والحق هنا: الصدق فلذلك قوبل بنسبتهم إلى الكذب فيما رموا به القرءان من قولهم إن هذا إلا أساطير الأولين [المؤمنون: 83] وفي مقابلة الحق ب لكاذبون محسن الطباق.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١١٢) ↗