سورة المؤمنون · الآية ٧٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا بيان لشدة تمردهم وعنادهم، وأنهم إذا أصابهم الضر، دعوا الله أن يكشف عنهم ليؤمنوا، أو ابتلاهم بذلك ليرجعوا إليه. إن الله إذا كشف الضر عنهم لجوا، أي: استمروا في طغيانهم يعمهون، أي: يجولون في كفرهم، حائرين مترددين. كما ذكر الله حالهم عند ركوب الفلك، وأنهم يدعونه مخلصين له الدين، وينسون ما يشركون به، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بالشرك وغيره. { ولقد أخذناهم بالعذاب } قال المفسرون: المراد بذلك: الجوع الذي أصابهم سبع سنين، وأن الله ابتلاهم بذلك، ليرجعوا إليه بالذل والاستسلام، فلم ينجع فيهم، ولا نجح منهم أحد، { فما استكانوا لربهم } أي: خضعوا وذلوا { وما يتضرعون } إليه ويفتقرون، بل مر عليهم ذلك ثم زال، كأنه لم يصبهم، لم يزالوا في غيهم وكفرهم، ولكن وراءهم العذاب الذي لا يرد، وهو قوله: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } كالقتل يوم بدر وغيره، { إذا هم فيه مبلسون } آيسون من كل خير، قد حضرهم الشر وأسبابه، فليحذروا قبل نزول عذاب الله الشديد، الذي لا يرد، بخلاف مجرد العذاب، فإنه ربما أقلع عنهم، كالعقوبات الدنيوية، التي يؤدب الله بها عباده. قال تعالى فيها: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون [الروم: 41].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ٧٥–٧٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… على قريش حين استعصوا فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (3) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن (4) وهب بن عمر بن كيسان قال: حبس وهب بن منبه، فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أحدث لنا فأحدثنا. يعني: أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة. وقوله: {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون} أي: حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبلسوا (5) من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم. ثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم، التي يدركون (6) بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٨٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٩٤) ↗التحرير والتنوير
واللجاج بفتح اللام: الاستمرار على الخصام وعدم الإقلاع عن ذلك. يقال: لج يلج ويلج بكسر اللام وفتحها في المضارع على اختلاف حركة العين في الماضي. والطغيان: أشد الكبر. والعمه: التردد في الضلالة. وفي طغيانهم متعلق ب يعمهون قدم عليه للاهتمام بذكره، وللرعي على الفاصلة. و (في) للظرفية المجازية المراد منها معنى السببية وتقدم قوله تعالى: ويمدهم في طغيانهم يعمهون في سورة البقرة [15] . [76، 77] ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) استدلال على مضمون قوله ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون [المؤمنون: 75] بسابق إصرارهم على الشرك والإعراض عن الالتجاء إلى الله وعدم الاتعاظ بأن ما حل بهم من العذاب هو جزاء شركهم. والجملة المتقدمة خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو يعلم صدقه فلم يكن بحاجة إلى الاستظهار عليه. ولكنه لما كان متعلقا بالمشركين وكان بحيث يبلغ أسماعهم وهم لا يؤمنون بأنه كلام من لا شك في صدقه، كان المقام محفوفا بما يقتضي الاستدلال عليهم بشواهد أحوالهم فيما مضى ولذلك وقع قبله فذرهم في غمرتهم حتى حين [المؤمنون: 54] ، ووقع بعده قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون [المؤمنون: 84] . والتعريف في قوله بالعذاب للعهد، أي بالعذاب المذكور آنفا في قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب [المؤمنون: 64] إلخ. ومصب الحال هو ما عطف على جملتها من قوله فما استكانوا لربهم، فلا تتوهمن أن إعادة ذكر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٠٠) ↗