سورة المؤمنون · الآية ٧١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون * حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون * قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون } يخبر تعالى أن قلوب المكذبين في غمرة من هذا، أي: وسط غمرة من الجهل والظلم، والغفلة والإعراض، تمنعهم من الوصول إلى هذا القرآن، فلا يهتدون به، ولا يصل إلى قلوبهم منه شيء. وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا [الإسراء: 45-46] فلما كانت قلوبهم في غمرة منه، عملوا بحسب هذا الحال، من الأعمال الكفرية، والمعاندة للشرع، ما هو موجب لعقابهم، { و } لكن { لهم أعمال من دون } هذه الأعمال { هم لها عاملون } أي: فلا يستغربوا عدم وقوع العذاب فيهم، فإن الله يمهلهم ليعملوا هذه الأعمال، التي بقيت عليهم مما كتب عليهم، فإذا عملوها واستوفوها انتقلوا بشر حالة إلى غضب الله وعقابه. { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } أي: متنعميهم، الذين ما اعتادوا إلا الترف والرفاهية والنعيم، ولم تحصل لهم المكاره، فإذا أخذناهم { بالعذاب } ووجدوا مسه { إذا هم يجأرون } يصرخون ويتوجعون، لأنه أصابهم أمر خالف ما هم عليه، ويستغيثون، فيقال لهم: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون } وإذا لم تأتهم النصرة من الله، وانقطع عنهم الغوث من جانبه، لم يستطيعوا نصر أنفسهم، ولم ينصرهم أحد. فكأنه قيل: ما السبب الذي أوصلهم إلى هذا الحال؟ قال: { قد كانت آياتي تتلى عليكم } لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها، فلم تفعلوا ذلك، بل { كنتم على أعقابكم تنكصون } أي: راجعين القهقرى إلى الخلف، وذلك لأن باتباعهم القرآن يتقدمون، وبالإعراض عنه يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين. { مستكبرين به سامرا تهجرون } قال المفسرون معناه: مستكبرين به، الضمير يعود إلى البيت، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… طريق واسع سهل، أكنت متبعه (6) ؟ " قال: نعم. فقال: "فوالذي (7) نفس محمد بيده، إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك لو دعيت إليه". وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له: "أسلم" فتصعده ذلك، فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت فتييك، أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا (8) ائتمنته أدى إليك أهو أحب إليك، أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا (9) ائتمنته خانك؟ ". قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إلي. فقال النبي (10) صلى الله عليه وسلم: "كذاكم أنتم عند ربكم". وقوله: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض (11) ومن فيهن} قال مجاهد، وأبو صالح والسدي: الحق هو الله عز وجل، والمراد: لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك {لفسدت السماوات والأرض (12) ومن فيهن} أي: لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ثم قال: {أهم يقسمون رحمة ربك} [الزخرف: 31، 32] وقال تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا} [الإسراء:100] وقال: {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} [النساء: 53] ،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٨٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لفسدت السموات والأرض ومن فيهن؛ وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور , والصحيح من التدبير والفاسد. فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحق، لم تقر السماوات والأرض ومن فيهن من خلق الله، لأن ذلك قام بالحق PageEndV17P089 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٨٨) ↗التحرير والتنوير
المشركين من قريش كارهون للحق. وهذا تسجيل عليهم بأن طباعهم تأنف الحق الذي يخالف هواهم لما تخلقوا به من الشرك وإتيان الفواحش والظلم والكبر والغصب وأفانين الفساد، بله ما هم عليه من فساد الاعتقاد بالإشراك وما يتبعه من الأعمال كما قال تعالى: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون [المؤمنون: 63] ، فلا جرم كانوا بذلك يكرهون الحق لأن جنس الحق يجافي هذه الطباع. ومن هؤلاء أبو جهل قال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي إلى قوله: ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 52، 53] . وإنما أسندت كراهية الحق إلى أكثرهم دون جميعهم إنصافا لمن كان منهم من أهل الأحلام الراجحة الذين علموا بطلان الشرك وكانوا يجنحون إلى الحق ولكنهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم أنهم إن صدعوا بالحق لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاص، وكان من هؤلاء أبو طالب والعباس والوليد بن المغيرة. فكان المعنى: بل جاءهم بالحق فكفروا به كلهم، فأما أكثرهم فكراهية للحق، وأما قليل منهم مصانعة لسائرهم وقد شمل الكفر جميعهم. وتقدم المعمول في قوله للحق كارهون اهتمام بذكر الحق حتى يستوعي السامع ما بعده فيقع من نفسه حسن سماعه موقع العجب من كارهيه، ولما ضعف العامل فيه بالتأخير قرن المعمول بلام التقوية. [71] 71] ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. عطف هذا الشرط الامتناعي على جملة وأكثرهم للحق كارهون [المؤمنون: 70] زيادة في التشنيع على أهوائهم فإنها مفضية إلى فساد العالم ومن فيه وكفى بذلك فظاعة وشناعة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٩١) ↗