سورة المؤمنون · الآية ٦٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون * حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون * قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون } يخبر تعالى أن قلوب المكذبين في غمرة من هذا، أي: وسط غمرة من الجهل والظلم، والغفلة والإعراض، تمنعهم من الوصول إلى هذا القرآن، فلا يهتدون به، ولا يصل إلى قلوبهم منه شيء. وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا [الإسراء: 45-46] فلما كانت قلوبهم في غمرة منه، عملوا بحسب هذا الحال، من الأعمال الكفرية، والمعاندة للشرع، ما هو موجب لعقابهم، { و } لكن { لهم أعمال من دون } هذه الأعمال { هم لها عاملون } أي: فلا يستغربوا عدم وقوع العذاب فيهم، فإن الله يمهلهم ليعملوا هذه الأعمال، التي بقيت عليهم مما كتب عليهم، فإذا عملوها واستوفوها انتقلوا بشر حالة إلى غضب الله وعقابه. { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } أي: متنعميهم، الذين ما اعتادوا إلا الترف والرفاهية والنعيم، ولم تحصل لهم المكاره، فإذا أخذناهم { بالعذاب } ووجدوا مسه { إذا هم يجأرون } يصرخون ويتوجعون، لأنه أصابهم أمر خالف ما هم عليه، ويستغيثون، فيقال لهم: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون } وإذا لم تأتهم النصرة من الله، وانقطع عنهم الغوث من جانبه، لم يستطيعوا نصر أنفسهم، ولم ينصرهم أحد. فكأنه قيل: ما السبب الذي أوصلهم إلى هذا الحال؟ قال: { قد كانت آياتي تتلى عليكم } لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها، فلم تفعلوا ذلك، بل { كنتم على أعقابكم تنكصون } أي: راجعين القهقرى إلى الخلف، وذلك لأن باتباعهم القرآن يتقدمون، وبالإعراض عنه يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين. { مستكبرين به سامرا تهجرون } قال المفسرون معناه: مستكبرين به، الضمير يعود إلى البيت، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها". وقوله: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إذا هم يجأرون} أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 11-13] ، وقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} [ص: 3] . وقوله: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} أي: لا نجيركم (3) مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن (4) طلبتم امتنعتم؛ {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] . وقوله: {مستكبرين به سامرا تهجرون} : في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارا عليه واحتقارا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في {به} فيه ثلاثة أقوال: أحدهما (5) : أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهجر (6) من الكلام. والثاني: أنه (7) ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: "إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة" إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٧٦) ↗التحرير والتنوير
ولام لهم أعمال للاختصاص. وتقديم المجرور بها على المبدأ لقصر المسند إليه على المسند، أي لهم أعمال لا يعملون غيرها من أعمال الإيمان والخيرات. ووصف أعمال بجملة هم لها عاملون للدلالة على أنهم مستمرون عليها لا يقلعون عنها لأنهم ضروا بها لكثرة انغماسهم فيها. وجيء بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على تلك الأعمال وثباتهم عليها. ويجوز أن يكون تقديم لها على عاملون لإفادة الاختصاص لقصر القلب، أي لا يعملون غيرها من الأعمال الصالحة التي دعوا إليها. ويجوز أن يكون للرعاية على الفاصلة لأن القصر قد أفيد بتقديم المسند إليه. [64- 67] 67] حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) حتى ابتدائية. وقد تقدم ذكرها في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج [الأنبياء: 96] . و (حتى) الابتدائية. يكون ما بعدها ابتداء كلام، فليس الدال على الغاية لفظا مفردا كما هو الشأن مع (حتى) الجارة و (حتى) العاطفة، بل هي غاية يدل عليها المقام والأكثر أن تكون في معنى التفريع. وبهذه الغاية صار الكلام تهديدا لهم بعذاب سيحل بهم يجأرون منه ولا ملجأ لهم منه. والظاهر أنه عذاب في الدنيا بقرينة قوله: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون [المؤمنون: 75] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٨١) ↗