البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة المؤمنون · الآية ٥٧

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف، فقال: { الذين هم من خشية ربهم مشفقون } أي: وجلون، مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم، خوفا أن يضع عليهم عدله، فلا يبقى لهم حسنة، وسوء ظن بأنفسهم، أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى، وخوفا على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم، وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب الأمر المخوف من الذنوب، والتقصير في الواجبات. { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } أي: إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، ويتفكرون أيضا في الآيات القرآنية ويتدبرونها، فيبين لهم من معاني القرآن وجلالته واتفاقه، وعدم اختلافه وتناقضه، وما يدعو إليه من معرفة الله وخوفه ورجائه، وأحوال الجزاء، فيحدث لهم بذلك من تفاصيل الإيمان، ما لا يعبر عنه اللسان. ويتفكرون أيضا في الآيات الأفقية، كما في قوله: إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب إلى آخر الآيات [آل عمران: 190]. { والذين هم بربهم لا يشركون } أي: لا شركا جليا، كاتخاذ غير الله معبودا، يدعوه ويرجوه ولا شركا خفيا، كالرياء ونحوه، بل هم مخلصون لله، في أقوالهم وأعمالهم وسائر أحوالهم. { والذين يؤتون مآ آتوا } أي: يعطون من أنفسهم مما أمروا به، ما آتوا من كل ما يقدرون عليه، من صلاة، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك، { و } مع هذا { قلوبهم وجلة } أي: خائفة { أنهم إلى ربهم راجعون } أي: خائفة عند عرض أعمالها عليه، والوقوف بين يديه، أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله، لعلمهم بربهم، وما يستحقه من أصناف العبادات. { أولئك يسارعون في الخيرات } أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت لهم الفرصة إليه، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا (1) . وهكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري في تفسير هذه الآية. وقد قرأ آخرون هذه الآية: "والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثني أبو خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على (2) عائشة، رضي الله عنها، فقالت: مرحبا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا -أو: تلم بنا؟ -فقال: أخشى أن أملك. فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسأل (3) عن آية في كتاب الله عز وجل، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ فقال: {الذين يأتون ما أتوا} أو {الذين يؤتون ما آتوا} ؟ فقالت: أيتهما (4) أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا (5) -أو: الدنيا وما فيها-قالت: وما هي؟ فقلت: {الذين يأتون ما أتوا} فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف (6) . إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. والمعنى على القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم-أظهر؛ لأنه قال: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ، فجعلهم من السابقين. ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك ألا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم. يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال: {ولدينا كتاب ينطق بالحق} يعني: كتاب الأعمال، {وهم لا يظلمون} أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٨١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

#، جادون في طلب مرضاته. {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} [المؤمنون: 58] يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون {والذين هم بربهم لا يشركون} [المؤمنون: 59] يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثن ولا لصنم، ولا يراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شيء سواه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٦) ↗

التحرير والتنوير

وقد تقدم عند قوله تعالى: وأولئك لهم الخيرات في سورة براءة [88] ، وتقدم في سورة الأنبياء [73- 90] . و (بل) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة، أي لسنا نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم. [57- 61] إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) هذا الكلام مقابل ما تضمنته الغمرة من قوله فذرهم في غمرتهم [المؤمنون: 54] من الإعراض عن عبادة الله وعن التصديق بآياته، ومن إشراكهم آلهة مع الله، ومن شحهم عن الضعفاء وإنفاق مالهم في اللذات، ومن تكذيبهم بالبعث. كل ذلك مما شملته الغمرة فجيء في مقابلها بذكر أحوال المؤمنين ثناء عليهم، ألا ترى إلى قوله بعد هذا بل قلوبهم في غمرة من هذا [المؤمنون: 63] . فكانت هذه الجملة كالتفصيل لإجمال الغمرة مع إفادة المقابلة بأحوال المؤمنين. واختير أن يكون التفصيل بذكر المقابل لحسن تلك الصفات وقبح أضدادها تنزيها للذكر عن تعداد رذائلهم، فحصل بهذا إيجاز بديع، وطباق من ألطف البديع، وصون للفصاحة من كراهة الوصف الشنيع. وافتتاح الجملة ب إن للاهتمام بالخبر، والإتيان بالموصولات للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أنهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إليها وتكرير

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٧٦) ↗