البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المؤمنون · الآية ٣٩

﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر نوحا وقومه، وكيف أهلكهم قال: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } الظاهر أنهم " ثمود " قوم صالح عليه السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم. { فأرسلنا فيهم رسولا منهم } من جنسهم، يعرفون نسبه وحسبه وصدقه، ليكون ذلك أسرع لانقيادهم، إذا كان منهم، وأبعد عن اشمئزازهم، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل أممهم { أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم، الأمر بعبادة الله، والإخبار أنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده، ولهذا قال: { أفلا تتقون } ربكم، فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام. { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا } أي: قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر والمعاندة، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا، معارضة لنبيهم، وتكذيبا وتحذيرا منه: { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم { يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } فما الذي يفضله عليكم؟ فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } أي: إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا، وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل، نادمون على ما فعلتم. وهذا من العجب، فإن الخسارة والندامة حقيقة لمن لم يتابعه ولم ينقد له. والجهل والسفه العظيم لمن تكبر عن الانقياد لبشر، خصه الله بوحيه، وفضله برسالته، وابتلي بعبادة الشجر والحجر. وهذا نظير قولهم: فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر [القمر: 24-25] فلما أنكروا رسالته وردوها، أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال فقالوا: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون } أي بعيد بعيد ما يعدكم به، من البعث، بعد أن تمزقتم وكنتم ترابا وعظاما، فنظروا نظرا قاصرا، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{لآيات} أي: لحججا (1) ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، وقادر على كل شيء، عليم بكل شيء. وقوله: {وإن كنا لمبتلين} أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين. يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين (2) -قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم. وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: {فأخذتهم الصيحة بالحق} -وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونه بشرا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون} أي: بعيد بعيد ذلك. {إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا} أي: فيما جاءكم (3) به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد. {وما نحن له بمؤمنين. قال رب انصرني بما كذبون} أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه، {قال عما قليل ليصبحن نادمين} أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به، {فأخذتهم الصيحة بالحق} أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله لكفرهم وطغيانهم. والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة، {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى (4) إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] . وقوله: {فجعلناهم غثاء} أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٧٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

مغرقون} [المؤمنون: 26] يعني ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح {إن هو إلا رجل به جنة} [المؤمنون: 25] ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجن جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: {إن هو} [الأنعام: 90] كناية اسم نوح

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٥) ↗

التحرير والتنوير

وجملة إن هو إلا رجل به جنة استئناف بياني لأن جميع ما قالوه يثير في نفوس السامعين أن يتساءلوا إذا كان هذا حال دعوته في البطلان والزيف فماذا دعاه إلى القول بها؟ فيجاب بأنه أصابه خلل في عقله فطلب ما لم يكن ليناله مثله من التفضل على الناس كلهم بنسبتهم إلى الضلال فقد طمع فيما لا يطمع عاقل في مثله فدل طمعه في ذلك على أنه مجنون. والتنوين في جنة للنوعية، أي هو متلبس بشيء من الجنون، وهذا اقتصاد منهم في حاله حيث احترزوا من أن يورطوا أنفسهم في وصفه بالخبال مع أن المشاهد من حاله ينافي ذلك فأوهموا قومهم أن به جنونا خفيفا لا يبدو آثاره واضحة. وقصروه على صفة المجنون وهو قصر إضافي، أي ليس برسول من الله. وفرعوا على ذلك الحكم أمرا لقومهم بانتظار ما ينكشف عنه أمره بعد زمان: إما شفاء من الجنة فيرجع إلى الرشد، أو ازدياد الجنون به فيتضح أمره فتعلموا أن لا اعتداد بكلامه. والحين: اسم للزمان غير المحدود. والتربص: التوقف عن عمل يراد عمله والتريث فيه انتظارا لما قد يغني عن العمل أو انتظارا لفرصة تمكن من إيقاعه على أتقن كيفية لنجاحه، وهو فعل قاصر يتعدى إلى المفعول بالباء التي هي للتعدية ومعناها السببية، أي كان تربص المتربص بسبب مدخول الباء. والمراد: بسبب ما يطرأ عليه من أحوال، فهو على نية مضاف حذف لكثرة الاستعمال، وقد تقدم عند قوله تعالى: ويتربص بكم الدوائر في سورة براءة [98] فانظره مع ما هنا. [26، 27] 27] قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٤٤) ↗