سورة المؤمنون · الآية ٣٣
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر نوحا وقومه، وكيف أهلكهم قال: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } الظاهر أنهم " ثمود " قوم صالح عليه السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم. { فأرسلنا فيهم رسولا منهم } من جنسهم، يعرفون نسبه وحسبه وصدقه، ليكون ذلك أسرع لانقيادهم، إذا كان منهم، وأبعد عن اشمئزازهم، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل أممهم { أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم، الأمر بعبادة الله، والإخبار أنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده، ولهذا قال: { أفلا تتقون } ربكم، فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام. { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا } أي: قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر والمعاندة، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا، معارضة لنبيهم، وتكذيبا وتحذيرا منه: { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم { يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } فما الذي يفضله عليكم؟ فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } أي: إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا، وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل، نادمون على ما فعلتم. وهذا من العجب، فإن الخسارة والندامة حقيقة لمن لم يتابعه ولم ينقد له. والجهل والسفه العظيم لمن تكبر عن الانقياد لبشر، خصه الله بوحيه، وفضله برسالته، وابتلي بعبادة الشجر والحجر. وهذا نظير قولهم: فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر [القمر: 24-25] فلما أنكروا رسالته وردوها، أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال فقالوا: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون } أي بعيد بعيد ما يعدكم به، من البعث، بعد أن تمزقتم وكنتم ترابا وعظاما، فنظروا نظرا قاصرا، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لا ينتفع بشيء منه. {فبعدا للقوم الظالمين} ، كقوله (1) : {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف:76] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم. يقول تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أمما وخلائق، {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} يعني (1) : بل يؤخذون (2) حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخلفا بعد سلف. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} : قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضا. وهذه كقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وقوله: {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] . وقوله: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: أهلكناهم، كقوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . {وجعلناهم أحاديث} أي: أخبارا وأحاديث للناس، كقوله: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [الآية] (3) [سبأ: 19] [ {فبعدا لقوم لا يؤمنون} ] (4) . يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه السلام، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب -وهو التوراة-فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وبعد أن
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٧٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الموضع: صالحا، وبقومه: ثمود. {الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} [المؤمنون: 33] يقول: الذين جحدوا توحيد الله. {وكذبوا بلقاء الآخرة} [المؤمنون: 33] يعني: كذبوا بلقاء الله في الآخرة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٩) ↗التحرير والتنوير
ولقوله قال عما قليل ليصبحن نادمين [المؤمنون: 40] مع قوله في سورة الحجر [83] فأخذتهم الصيحة مصبحين فكان هلاكهم في الصباح. ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافا لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال تعالى: وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [الصافات: 137، 138] . وقوله فأرسلنا فيهم رسولا أي جعل الرسول بينهم وهو منهم، أي من قبيلتهم. وضمير الجمع عائد إلى قرنا لأنه في تأويل (الناس) كقوله وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [الحجرات: 9] . وعدي فعل فأرسلنا ب (في) دون (إلى) لإفادة أن الرسول كان منهم ونشأ فيهم لأن القرن لما لم يعين باسم حتى يعرف أن رسولهم منهم أو واردا إليهم مثل لوط لأهل (سدوم) ، ويونس لأهل (نينوى) ، وموسى للقبط. وكان التنبيه على أن رسولهم منهم مقصودا إتماما للمماثلة بين حالهم وحال الذين أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم. وكلام رسولهم مثل كلام نوح. و (أن) تفسير لما تضمنه أرسلنا من معنى القول. [33- 38] 38] وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٥٠) ↗