البيانابحثاسألالموضوعات

سورة المؤمنون · الآية ٢٧

﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

إلى آخر القصة وهي قوله { إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } يذكر تعالى رسالة عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول رسول أرسله لأهل الأرض، فأرسله إلى قومه، وهم يعبدون الأصنام، فأمرهم بعبادة الله وحده، فقال: { يقوم اعبدوا الله } أي: أخلصوا له العبادة، لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاصها. { ما لكم من إله غيره } فيه إبطال ألوهية غير الله، وإثبات الإلهية لله تعالى، لأنه الخالق الرازق، الذي له الكمال كله، وغيره بخلاف ذلك. { أفلا تتقون } ما أنتم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، التي صورت على صور قوم صالحين، فعبدوها مع الله، فاستمر على ذلك، يدعوهم سرا وجهارا، وليلا ونهارا، ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم لا يزدادون إلا عتوا ونفورا. { فقال الملأ } من قومه الأشراف والسادة المتبوعون -على وجه المعارضة لنبيهم نوح، والتحذير من اتباعه -: { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } أي: ما هذا إلا بشر مثلكم، قصده حين ادعى النبوة أن يزيد عليكم فضيلة، ليكون متبوعا، وإلا فما الذي يفضله عليكم، وهو من جنسكم؟ وهذه المعارضة لا زالت موجودة في مكذبي الرسل، وقد أجاب الله عنها بجواب شاف، على ألسنة رسله كما في قوله: قالوا أي: لرسلهم إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 10-11] فأخبروا أن هذا فضل الله ومنته، فليس لكم أن تحجروا على الله، وتمنعوه من إيصال فضله علينا. وقالوا هنا { ولو شآء الله لأنزل ملائكة } وهذه أيضا معارضة بالمشيئة باطلة، فإنه وإن كان لو شاء لأنزل ملائكة، فإنه حكيم رحيم، حكمته ورحمته تقتضي أن يكون الرسول من جنس الآدميين، لأن الملك لا قدرة لهم على مخاطبته، ولا يمكن أن يكون إلا بصورة رجل، ثم يعود اللبس عليهم كما كان. وقولهم: { ما سمعنا بهذا } أي بإرسال رسول { في آبآئنا الأولين } وأي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

{لآيات} أي: لحججا (1) ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، وقادر على كل شيء، عليم بكل شيء. وقوله: {وإن كنا لمبتلين} أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين. يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين (2) -قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم. وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: {فأخذتهم الصيحة بالحق} -وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونه بشرا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون} أي: بعيد بعيد ذلك. {إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا} أي: فيما جاءكم (3) به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد. {وما نحن له بمؤمنين. قال رب انصرني بما كذبون} أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه، {قال عما قليل ليصبحن نادمين} أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به، {فأخذتهم الصيحة بالحق} أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله لكفرهم وطغيانهم. والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة، {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى (4) إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] . وقوله: {فجعلناهم غثاء} أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٧٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

مغرقون} [المؤمنون: 26] يعني ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح {إن هو إلا رجل به جنة} [المؤمنون: 25] ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجن جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: {إن هو} [الأنعام: 90] كناية اسم نوح

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٣٥) ↗

التحرير والتنوير

وجملة إن هو إلا رجل به جنة استئناف بياني لأن جميع ما قالوه يثير في نفوس السامعين أن يتساءلوا إذا كان هذا حال دعوته في البطلان والزيف فماذا دعاه إلى القول بها؟ فيجاب بأنه أصابه خلل في عقله فطلب ما لم يكن ليناله مثله من التفضل على الناس كلهم بنسبتهم إلى الضلال فقد طمع فيما لا يطمع عاقل في مثله فدل طمعه في ذلك على أنه مجنون. والتنوين في جنة للنوعية، أي هو متلبس بشيء من الجنون، وهذا اقتصاد منهم في حاله حيث احترزوا من أن يورطوا أنفسهم في وصفه بالخبال مع أن المشاهد من حاله ينافي ذلك فأوهموا قومهم أن به جنونا خفيفا لا يبدو آثاره واضحة. وقصروه على صفة المجنون وهو قصر إضافي، أي ليس برسول من الله. وفرعوا على ذلك الحكم أمرا لقومهم بانتظار ما ينكشف عنه أمره بعد زمان: إما شفاء من الجنة فيرجع إلى الرشد، أو ازدياد الجنون به فيتضح أمره فتعلموا أن لا اعتداد بكلامه. والحين: اسم للزمان غير المحدود. والتربص: التوقف عن عمل يراد عمله والتريث فيه انتظارا لما قد يغني عن العمل أو انتظارا لفرصة تمكن من إيقاعه على أتقن كيفية لنجاحه، وهو فعل قاصر يتعدى إلى المفعول بالباء التي هي للتعدية ومعناها السببية، أي كان تربص المتربص بسبب مدخول الباء. والمراد: بسبب ما يطرأ عليه من أحوال، فهو على نية مضاف حذف لكثرة الاستعمال، وقد تقدم عند قوله تعالى: ويتربص بكم الدوائر في سورة براءة [98] فانظره مع ما هنا. [26، 27] 27] قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٤٤) ↗