البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة المؤمنون · الآية ١٥

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه { من سلالة من طين } أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك. { ثم جعلناه } أي: جنس الآدميين { نطفة } تخرج من بين الصلب والترائب، فتستقر { في قرار مكين } وهو الرحم، محفوظة من الفساد والريح وغير ذلك. { ثم خلقنا النطفة } التي قد استقرت قبل { علقة } أي: دما أحمر، بعد مضي أربعين يوما من النطفة، { فخلقنا العلقة } بعد أربعين يوما { مضغة } أي: قطعة لحم صغيرة، بقدر ما يمضغ من صغرها، { فخلقنا المضغة } اللينة { عظاما } صلبة، قد تخللت اللحم، بحسب حاجة البدن إليها، { فكسونا العظام لحما } أي: جعلنا اللحم، كسوة للعظام، كما جعلنا العظام، عمادا للحم، وذلك في الأربعين الثالثة، { ثم أنشأناه خلقا آخر } نفخ فيه الروح، فانتقل من كونه جمادا، إلى أن صار حيوانا، { فتبارك الله } أي: تعالى وتعاظم وكثر خيره { أحسن الخالقين } الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون [السجدة: 7-9] فخلقه كله حسن، والإنسان من أحسن مخلوقاته، بل هو أحسنها على الإطلاق، كما قال تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين: 4] ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها. { ثم إنكم بعد ذلك } الخلق، ونفخ الروح { لميتون } في أحد أطواركم وتنقلاتكم، { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } فتجازون بأعمالكم، حسنها وسيئها. قال تعالى: أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [القيامة: 36-40].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المؤمنون ١٢–١٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك". وقد رواه أبو داود والترمذي، من طرق، عن عوف الأعرابي، به نحوه (1) . وقال الترمذي: حسن صحيح. {ثم جعلناه نطفة} : هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: {وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} [السجدة: 7، 8] أي: ضعيف، كما قال: {ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين} (2) ، يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له، {إلى قدر معلوم * فقدرنا فنعم القادرون} [المرسلات: 22، 23] ، أي: [إلى] (3) مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال، وصفة إلى صفة؛ ولهذا قال هاهنا: {ثم خلقنا النطفة علقة} أي: ثم صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره-وترائب المرأة-وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة-فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم. {فخلقنا العلقة مضغة} : وهي قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، {فخلقنا المضغة عظاما} يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: {فخلقنا المضغة عظاما (4) } . قال ابن عباس: وهو عظم الصلب. وفي الصحيح، من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه (5) يركب" (6) . {فكسونا العظام لحما} أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار {خلقا آخر} ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب {فتبارك الله أحسن الخالقين} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

جديدا كما بدأناكم أول مرة. وإنما قيل: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} [المؤمنون: 15] لأنه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرا لما ذكرناه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٢٦) ↗

التحرير والتنوير

تمر عليها التارات السبع ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين الآية، فقال عمر لعلي: صدقت أطال الله بقاءك» . فقيل: إن عمر أول من دعا بكلمة «أطال الله بقاءك» . وقرأ الجمهور فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام بصيغة جمع العظام فيهما. وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم عظاما.. والعظم بصيغة الإفراد. وفرع على حكاية هذا الخلق العجيب إنشاء الثناء على الله تعالى بأنه أحسن الخالقين أي أحسن المنشئين إنشاء، لأنه أنشأ ما لا يستطيع غيره إنشاءه. ولما كانت دلالة خلق الإنسان على عظم القدرة أسبق إلى اعتبار المعتبر كان الثناء المعقب به ثناء على بديع قدرة الخالق مشتقا من البركة وهي الزيادة. وصيغة تفاعل صيغة مطاوعة في الأصل، وأصل المطاوعة قبول أثر الفعل، وتستعمل في لازم ذلك وهو التلبس بمعنى الفعل تلبسا مكينا لأن شأن المطاوعة أن تكون بعد معالجة الفعل فتقتضي ارتساخ معنى الفعل في المفعول القابل له حتى يصير ذلك المفعول فاعلا فيقال: كسرته فتكسر، فلذلك كان تفاعل إذا جاء بمعنى فعل دالا على المبالغة كما صرح به الرضي في «شرح الشافية» ، ولذلك تتفق صيغ المطاوعة وصيغ التكلف غالبا في نحو: تثنى. وتكبر، وتشامخ، وتقاعس. فمعنى فتبارك الله أنه موصوف بالعظمة في الخير، أي عظمة ما يقدره من خير للناس وصلاح لهم. وبهذا الاعتبار تكون الجملة تذييلا لأن تبارك لما حذف متعلقه كان عاما فيشمل عظمة الخير في الخلق وفي غيره. وكذلك حذف متعلق الخالقين يعم خلق الإنسان وخلق غيره كالجبال والسماوات. [15، 16] ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٢٥) ↗