سورة المؤمنون · الآية ١٠٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما في ذلك اليوم، من المزعجات والمقلقات، وأنه إذا نفخ في الصور نفخة البعث، فحشر الناس أجمعون، لميقات يوم معلوم، أنه يصيبهم من الهول ما ينسيهم أنسابهم، التي هي أقوى الأسباب، فغير الأنساب من باب أولى، وأنه لا يسأل أحد أحدا عن حاله، لاشتغاله بنفسه، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها؟ قال تعالى: يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس: 34-37]. وفي القيامة مواضع، يشتد كربها، ويعظم وقعها، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد، وينظر فيه بالعدل ما له وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر، من الخير والشر، { فمن ثقلت موازينه } بأن رجحت حسناته على سيئاته { فأولئك هم المفلحون } لنجاتهم من النار، واستحقاقهم الجنة، وفوزهم بالثناء الجميل، { ومن خفت موازينه } بأن رجحت سيئاته على حسناته، وأحاطت بها خطيئاته { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } كل خسارة، غير هذه الخسارة، فإنها - بالنسبة إليها - سهلة، ولكن هذه خسارة صعبة، لا يجبر مصابها، ولا يستدرك فائتها، خسارة أبدية، وشقاوة سرمدية، قد خسر نفسه الشريفة، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوتها هذا النعيم المقيم، في جوار الرب الكريم. { في جهنم خالدون } لا يخرجون منها أبد الآبدين، وهذا الوعيد، إنما هو كما ذكرنا، لمن أحاطت خطيئاته بحسناته، ولا يكون ذلك إلا كافرا، فعلى هذا، لا يحاسب محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها، وأما من معه أصل الإيمان، ولكن عظمت سيئاته، فرجحت على حسناته، فإنه وإن دخل النار، لا يخلد فيها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. ثم ذكر تعالى، سوء مصير الكافرين فقال: { تلفح وجوههم النار } أي: تغشاهم من جميع جوانبهم، حتى تصيب أعضاءهم الشريفة، ويتقطع لهبها عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… والعظائم، التي أوبقتهم في ذلك، فقال: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت الكتب، وأزلت (1) شبهكم، ولم يبق لكم حجة تدلون بها كما قال: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] ، وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، وقال: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير. وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} [الملك: 8-11] ، ولهذا قالوا: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين} أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها. ثم قالوا: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} أي: ردنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا، فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا: {فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل. ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 11، 12] أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون. هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار (2) ، يقول: {اخسئوا فيها} أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء. {ولا تكلمون} أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٩٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الكلام عليه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١١٦) ↗التحرير والتنوير
والخسارة: نقصان مال التجارة وتقدم في قوله تعالى: الذين خسروا أنفسهم في سورة الأنعام [12] ، وقوله فأولئك الذين خسروا أنفسهم في أول الأعراف [9] . وهي هنا تمثيل لحال خيبتهم فيما كانوا يأملونه من شفاعة أصنامهم وأن لهم النجاة في الآخرة أو من أنهم غير صائرين إلى البعث، فكذبوا بما جاء به الإسلام وحسبوا أنهم قد أعدوا لأنفسهم الخير فوجدوا ضده فكانت نفوسهم مخسورة كأنها تلفت منهم. ولذلك نصب أنفسهم على المفعول ب خسروا. واسما الإشارة لزيادة تمييز الفريقين بصفاتهم. وجملة تلفح وجوههم النار في موضع الحال من الذين خسروا أنفسهم. ومعنى تلفح وجوههم النار تحرق. واللفح: شدة إصابة النار. والكالح: الذي به الكلوح وهو تقلص الشفتين وظهور الأسنان من أثر تقطب أعصاب الوجه عند شدة الألم. [105- 107] 107] ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) جملة ألم تكن آياتي تتلى عليكم مقول قول محذوف، أي يقال لهم يومئذ. وهذا تعرض لبعض ما يجري يومئذ. والآيات: آيات القرآن بقرينة قوله تتلى عليكم وقوله فكنتم بها تكذبون حملا على ظاهر اللفظ. والتلاوة: القراءة. وقد تقدم عند قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان في البقرة [102] ، وقوله: إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا في سورة الأنفال [2] . والاستفهام إنكار. والغلب حقيقته: الاستيلاء والقهر. وأطلق هنا على التلبس بالشقوة دون التلبس بالسعادة. ومفعول غلبت محذوف يدل عليه شقوتنا لأن الشقوة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٢٧) ↗