البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحج · الآية ٧٥

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما بين تعالى كماله وضعف الأصنام، وأنه المعبود حقا، بين حالة الرسل، وتميزهم عن الخلق بما تميزوا به من الفضائل فقال: { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } أي: يختار ويجتبي من الملائكة رسلا، ومن الناس رسلا، يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، والذي اختارهم واصطفاهم، ليس جاهلا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئا دون شيء، وإنما المصطفى لهم، السميع، البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره بجميع الأشياء، فاختياره إياهم، عن علم منه، أنهم أهل لذلك، وأن الوحي يصلح فيهم كما قال تعالى: أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124]. { وإلى الله ترجع الأمور } أي: هو يرسل الرسل، يدعون الناس إلى الله، فمنهم المجيب، ومنهم الراد لدعوتهم، ومنهم العامل، ومنهم الناكل، فهذا وظيفة الرسل، وأما الجزاء على تلك الأعمال، فمصيرها إلى الله، فلا تعدم منه فضلا أو عدلا.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحج ٧٥–٧٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أرسلهم به، فلا يخفى عليه من أمورهم شيء، كما قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول [فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم] (1) وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 26 -28] ، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم؛ {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} الآية [المائدة: 67] . اختلف الأئمة، رحمهم الله، في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين. وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما". وقوله: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] . وقوله: {هو اجتباكم} أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع. {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين-تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات؛ ولهذا قال، عليه السلام (2) : "بعثت بالحنيفية السمحة" (3) وقال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما أميرين إلى اليمن: "بشرا ولا

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٥٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس أيضا رسلا. وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أأنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي، وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٦٣٨) ↗

التحرير والتنوير

ليسوا أهلا للمخاطبة توبيخا لهم، وبذلك يندمج في قوله: إن الله لقوي عزيز تهديد لهم بأنه ينتقم منهم على وقاحتهم. وتوكيد الجملة بحرف التوكيد ولام الابتداء مع أن مضمونها مما لا يختلف فيه لتنزيل علمهم بذلك منزلة الإنكار لأنهم لم يجروا على موجب العلم حين أشركوا مع القوي العزيز ضعفاء أذلة. والقوي: من أسمائه تعالى. وهو مستعمل في القدرة على كل مراد له. والعزيز: من أسمائه، وهو بمعنى: الغالب لكل معاند. [75] 75] الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) لما نفت الآيات السابقة أن يكون للأصنام التي يعبدها المشركون مزية في نصرهم بقوله: وما للظالمين من نصير [الحج: 71] ، وقوله: ضعف الطالب والمطلوب [الحج: 73] ونعى على المشركين تكذيبهم الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا [الحج: 72] ، وقد كان من دواعي التكذيب أنهم أحالوا أن يأتيهم رسول من البشر: وقالوا لولا أنزل عليه ملك [الأنعام: 8] أي يصاحبه، وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا [الفرقان: 21] أعقب إبطال أقوالهم بأن الله يصطفي من شاء اصطفاءه من الملائكة ومن الناس دون الحجارة، وأنه يصطفيهم ليرسلهم إلى الناس، أي لا ليكونوا شركاء، فلا جرح أبطل قوله الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس جميع مزاعمهم في أصنامهم. فالجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة ما علمت.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٣٤٣) ↗