البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحج · الآية ٧٣

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: { يأيها الناس } هذا خطاب للمؤمنين والكفار، المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، { ضرب مثل فاستمعوا له } أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية، وأسماعا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع، وهو هذا: { إن الذين تدعون من دون الله } شمل كل ما يدعى من دون الله، { لن يخلقوا ذبابا } الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى، { ولو اجتمعوا له } بل أبلغ من ذلك لو { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } وهذا غاية ما يصير من العجز. { ضعف الطالب } الذي هو المعبود من دون الله { والمطلوب } الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين. فهذا ما قدر { الله حق قدره } حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، بالغني القوي من جميع الوجوه، سوى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بمن هو النافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف. { إن الله لقوي عزيز } أي: كامل القوة، كامل العزة، من كمال قوته وعزته، أن نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بإرادته ومشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن كمال قوته، أنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ومن كمال قوته، أنه يبعث الخلق كلهم، أولهم وآخرهم، بصيحة واحدة، ومن كمال قوته، أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية، بشيء يسير، وسوط من عذابه.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحج ٧٣–٧٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد. حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -رفع الحديث-قال: "ومن أظلم ممن خلق [خلقا] (1) كخلقي؟ فليخلقوا مثل خلقي ذرة، أو ذبابة، أو حبة" (2) . وأخرجه صاحبا الصحيح، من طريق عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" (3) . ثم قال تعالى أيضا: {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه} أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئا من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك. هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها ولهذا [قال: {ضعف الطالب والمطلوب} ] (4) . قال ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب. واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: الطالب: العابد، والمطلوب: الصنم. ثم قال: {ما قدروا الله حق قدره} أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره، من هذه (5) التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، {إن الله لقوي عزيز} أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، {إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد} [البروج: 12، 13] ، {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] . وقوله: {عزيز} أي: قد عز (6) كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب، لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار. يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لإبلاغ رسالاته، {إن الله سميع بصير} أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] . وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} أي: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٦٣٤) ↗

التحرير والتنوير

فالجملة استئناف بياني، أي إن سألتم عن الذي هو أشد شرا فاعلموا أنه النار. وجملة وعدها الله حال من النار، أو هي استئناف. والتعبير عنهم بقوله: الذين كفروا إظهار في مقام الإضمار، أي وعدها الله إياكم لكفركم. وبئس المصير أي بئس مصيرهم هي، فحرف التعريف عوض عن المضاف إليه، فتكون الجملة إنشاء ذم معطوفة على جملة الحال على تقدير القول. ويجوز أن يكون التعريف للجنس فيفيد العموم، أي بئس المصير هي لمن صار إليها، فتكون الجملة تذييلا لما فيها من عموم الحكم للمخاطبين وغيرهم وتكون الواو اعتراضية تذييلية. [73] 73] يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) أعقبت تضاعيف الحجج والمواعظ والإنذارات التي اشتملت عليها السورة مما فيه مقنع للعلم بأن إله الناس واحد وأن ما يعبد من دونه باطل، أعقبت تلك كلها بمثل جامع لوصف حال تلك المعبودات وعابديها. والخطاب ب يا أيها الناس للمشركين لأنهم المقصود بالرد والزجر وبقرينة قوله: إن الذين تدعون على قراءة الجمهور تدعون بتاء الخطاب.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٣٣٧) ↗