سورة الحج · الآية ٦٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ذلك الذي شرع لكم تلك الأحكام الحسنة العادلة، هو حسن التصرف، في تقديره وتدبيره، الذي { يولج الليل في النهار } أي: يدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فيأتي بالليل بعد النهار، وبالنهار بعد الليل، ويزيد في أحدهما ما ينقصه في الآخر، ثم بالعكس، فيترتب على ذلك، قيام الفصول، ومصالح الليل والنهار، والشمس والقمر، التي هي من أجل نعمه على العباد، وهي من الضروريات لهم. { وأن الله سميع } يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، { بصير } يرى دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار [الرعد: 10]. { ذلك } صاحب الحكم والأحكام { بأن الله هو الحق } أي: الثابت، الذي لا يزال ولا يزول، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، كامل الأسماء والصفات، صادق الوعد، الذي وعده حق ولقاؤه حق، ودينه حق، وعبادته هي الحق، النافعة الباقية على الدوام. { وأن ما يدعون من دونه } من الأصنام والأنداد، من الحيوانات والجمادات، { هو الباطل } الذي، هو باطل في نفسه، وعبادته باطلة، لأنها متعلقة بمضمحل فان، فتبطل تبعا لغايتها ومقصودها، { وأن الله هو العلي الكبير } العلي في ذاته، فهو عال على جميع المخلوقات وفي قدره، فهو كامل الصفات، وفي قهره لجميع المخلوقات، الكبير في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه، أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، ومن كبريائه أن كرسيه وسع السماوات والأرض، ومن عظمته وكبريائه، أن نواصي العباد بيده، فلا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته. وحقيقة الكبرياء التي لا يعلمها إلا هو، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أنها كل صفة كمال وجلال وكبرياء وعظمة، فهي ثابتة له، وله من تلك الصفة أجلها وأكملها، ومن كبريائه أن العبادات كلها، الصادرة من أهل السماوات والأرض، كلها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما ذكر تعالى المخالف للبعث، المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق (1) ، فقال: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب} أي: في شك {من البعث} وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة {فإنا خلقناكم من تراب} أي: أصل برئه (2) لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم، عليه السلام {ثم من نطفة} أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثم من علقة ثم من مضغة} ذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يوما كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوما، ثم تستحيل فتصير مضغة -قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط-ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس ويدان، وصدر وبطن، وفخذان ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط؛ ولهذا قال تعالى: {ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} أي: كما تشاهدونها، {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: {مخلقة وغير مخلقة} قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق. فإذا مضى عليها أربعون يوما، وهي مضغة، أرسل الله تعالى إليها ملكا فنفخ (3) فيها الروح، وسواها كما يشاء الله عز وجل (4) ، من حسن وقبيح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين، من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق-:"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب عمله وأجله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (5) . وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٦٧) ↗التحرير والتنوير
والبهيج: الحسن المنظر السار للناظر، وقد سيق هذا الوصف إدماجا للامتنان في أثناء الاستدلال امتنانا بجمال صورة الأرض المنبتة، لأن كونه بهيجا لا دخل له في الاستدلال، فهو امتنان محض كقوله تعالى: ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون [النحل: 6] وقوله تعالى: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح [الملك: 5] . [6، 7] 7] ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) فذلكة لما تقدم، فالجملة تذييل. والإشارة ب ذلك إلى ما تقدم من أطوار خلق الإنسان وفنائه، ومن إحياء الأرض بعد موتها وانبثاق النبت منها. وإفراد حرف الخطاب المقترن باسم الإشارة لإرادة مخاطب غير معين على نسق قوله وترى الأرض هامدة [الحج: 5] على أن اتصال اسم الإشارة بكاف خطاب الواحد هو الأصل. والمجرور خبر عن اسم الإشارة، أي ذلك حصل بسبب أن الله هو الحق إلخ.. والباء للسببية فالمعنى: تكون ذلك الخلق من تراب وتطور، وتكون إنزال الماء على الأرض الهامدة والنبات البهيج بسبب أن الله هو الإله الحق دون غيره. ويجوز أن تكون الباء للملابسة، أي كان ذلك الخلق وذلك الإنبات البهيج ملابسا لحقية إلهية الله. وهذه الملابسة ملابسة الدليل لمدلوله، وهذا أرشق من حمل الباء على معنى السببية وهو أجمع لوجوه الاستدلال.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٠٤) ↗