سورة الحج · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: يستعجلك هؤلاء المكذبون بالعذاب، لجهلهم، وظلمهم، وعنادهم، وتعجيزا لله، وتكذيبا لرسله، ولن يخلف الله وعده، فما وعدهم به من العذاب، لا بد من وقوعه، ولا يمنعهم منه مانع، وأما عجلته، والمبادرة فيه، فليس ذلك إليك يا محمد، ولا يستفزنك عجلتهم وتعجيزهم إيانا. فإن أمامهم يوم القيامة، الذي يجمع فيه أولهم وآخرهم، ويجازون بأعمالهم، ويقع بهم العذاب الدائم الأليم، ولهذا قال: { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } من طوله، وشدته، وهو له، فسواء أصابهم عذاب في الدنيا، أم تأخر عنهم العذاب، فإن هذا اليوم، لا بد أن يدركهم. ويحتمل أن المراد: أن الله حليم، ولو استعجلوا العذاب، فإن يوما عنده كألف سنة مما تعدون، فالمدة، وإن تطاولتموها، واستبطأتم فيها نزول العذاب، فإن الله يمهل المدد الطويلة ولا يهمل، حتى إذا أخذ الظالمين بعذابه لم يفلتهم. { وكأين من قرية أمليت لها } أي: أمهلتها مدة طويلة { وهي ظالمة } أي: مع ظلمهم، فلم يكن مبادرتهم بالظلم، موجبا لمبادرتنا بالعقوبة، { ثم أخذتها } بالعذاب { وإلي المصير } أي: مع عذابها في الدنيا، سترجع إلى الله، فيعذبها بذنوبها، فليحذر هؤلاء الظالمون من حلول عقاب الله، ولا يغتروا بالإمهال.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحج ٤٧–٤٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام". ورواه الترمذي والنسائي، من حديث الثوري، عن محمد بن عمرو، به (1) . وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير، عن أبي هريرة موقوفا (2) ، فقال: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أوما تقرأ القرآن؟ . قلت: بلى. قال: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (3) . وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن (4) عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها، أن يؤخرهم نصف يوم". قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة (5) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان (6) ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. رواه ابن جرير، عن ابن بشار (7) ، عن ابن مهدي (8) . وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية". وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم -محمد بن الفضل-حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} ، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{ثم أخذتها} [الحج: 48] يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم. {وإلي المصير} [الحج: 48] يقول: وإلي مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إلي مصيرهم بعد ذلك , فموجعهم إذن عقوبة على ما قدموا من آثامهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٩٩) ↗التحرير والتنوير
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: يستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [العنكبوت: 53- 54] . وليس المراد بقوله: وإن يوما عند ربك إلى آخره استقصار أجل حلول العذاب بهم في الدنيا كما درج عليه أكثر المفسرين لعدم رشاقة ذلك على أن هذا الاستقصار يغني عنه قوله عقب هذا: وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها [الحج: 48] . والخطاب في تعدون للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وقرأ الجمهور تعدون بالفوقية، وقرأه ابن كثير، وحمزة، والكسائي مما يعدون- بياء الغائبين-. أي مما يعده المشركون المستعجلون بالعذاب. [48] وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) عطف على جملة ويستعجلونك بالعذاب [الحج: 47] أو على جملة ولن يخلف الله وعده [الحج: 47] باعتبار ما تضمنه استعجالهم بالعذاب من التعريض بأنهم آيسون منه لتأخر وقوعه، فذكروا بأن أمما كثيرة أمهلت ثم حل بها العذاب. فوزان هذه الآية وزان قوله آنفا: فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة [الحج: 45] إلخ إلا أن الأولى قصد منها كثرة الأمم التي أهلكت لئلا يتوهم من ذكر قوم نوح ومن عطف عليهم أن الهلاك لم يتجاوزهم ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإهلاك دون الإمهال. وهذه الآية القصد منها التذكير بأن تأخير
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٩٢) ↗