البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحج · الآية ٤٦

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب، وليسوا بأول أمة كذبت رسولها { فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين } أي: قوم شعيب. { وكذب موسى فأمليت للكافرين } المكذبين، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون، وفي كفرهم وشرهم يزدادون، { ثم أخذتهم } بالعذاب أخذ عزيز مقتدر { فكيف كان نكير } أي: إنكاري عليهم كفرهم، وتكذيبهم كيف حاله، كان أشد العقوبات، وأفظع المثلات، فمنهم من أغرقه، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أهلك بالريح العقيم، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه عذاب يوم الظلة، فليعتبر بهم هؤلاء المكذبون، أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم ليسوا خيرا منهم، ولا كتب لهم براءة في الكتب المنزلة من الله، وكم من المعذبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير، ولهذا قال: { فكأين من قرية } أي: وكم من قرية { أهلكناها } بالعذاب الشديد، والخزي الدنيوي، { وهي ظالمة } بكفرها بالله وتكذيبها لرسله، لم يكن عقوبتنا لها ظلما منا، { فهي خاوية على عروشها } أي: فديارهم متهدمة، قصورها، وجدرانها، قد سقطت عروشها، فأصبحت خرابا بعد أن كانت عامرة، وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة، { وبئر معطلة وقصر مشيد } أي: وكم من بئر، قد كان يزدحم عليه الخلق، لشربهم، وشرب مواشيهم، ففقد أهله، وعدم منه الوارد والصادر، وكم من قصر، تعب عليه أهله، فشيدوه، ورفعوه، وحصنوه، وزخرفوه، فحين جاءهم أمر الله، لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليا من أهله، قد صاروا عبرة لمن اعتبر، ومثالا لمن فكر ونظر. ولهذا دعا الله عباده إلى السير في الأرض، لينظروا، ويعتبروا فقال: { أفلم يسيروا في الأرض } بأبدانهم وقلوبهم { فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ } آيات الله ويتأملون بها مواقع عبره، { أو آذان يسمعون بها } أخبار الأمم الماضين، وأنباء القرون المعذبين، وإلا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ثم قال تعالى: {فكأين (1) من قرية أهلكناها} أي: كم من قرية أهلكتها {وهي ظالمة} ] (2) أي: مكذبة لرسولها، {فهي خاوية على عروشها} قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها. {وبئر معطلة} أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها. {وقصر مشيد} قال عكرمة: يعني المبيض بالجص. وروي عن علي بن أبي طالب، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي المليح، والضحاك، نحو ذلك. وقال آخرون: هو المنيف المرتفع. وقال آخرون: الشديد المنيع الحصين. وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] . وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضا، وذلك كاف، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا (3) جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى، عليه السلام، أن يا موسى، اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح في الأرض، واطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان (4) وتكسر العصا. وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموته بالزهد، وقوه باليقين، وذلله بالموت (5) ، وقرره بالفناء (6) ، وبصره فجائع (7) الدنيا، وحذره صولة (8) الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب (9) من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حلوا، وعم انقلبوا. أي: فانظروا (10) ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال (11) {فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} أي: فيعتبرون بها، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ضربائهم من مكذبي رسل الله، الذين خلوا من قبلهم، كعاد، وثمود، وقوم لوط، وشعيب، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكروا فيها، ويعتبروا بها، ويعلموا بتدبرهم أمرها، وأمر أهلها سنة الله فيمن كفر، وعبد غيره، وكذب رسله، فينيبوا من عتوهم، وكفرهم، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك، واعتبروا به , وأنابوا إلى الحق. {قلوب يعقلون بها} [الحج: 46] حجج الله على خلقه , وقدرته على ما بينا. {أو آذان يسمعون بها} [الحج: 46] يقول: أو آذان تصغي لسماع الحق فتعي ذلك، وتميز بينه وبين الباطل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٩٥) ↗

التحرير والتنوير

إلى عبادة صنم وأن الله بعث إليهم حنظلة بن صفوان رسولا فنهاهم عن عبادة الصنم فقتلوه فغارت البئر وهلكوا عطشا» . يريد أن هذه القرية واحدة من القرى المذكورة في هذه الآية وإلا فإن كلمة (كأين) تنافي إرادة قرية معينة. وقرأ الجمهور أهلكناها- بنون العظمة-: وقرأه أبو عمرو ويعقوب أهلكتها- بتاء المتكلم-. [46] 46] أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) تفريع على جملة فكأين من قرية أهلكناها [الحج: 45] وما بعدها. والاستفهام تعجيبي من حالهم في عدم الاعتبار بمصارع الأمم المكذبة لأنبيائها، والتعجيب متعلق بمن سافروا منهم ورأوا شيئا من تلك القرى المهلكة وبمن لم يسافروا، فإن شأن المسافرين أن يخبروا القاعدين بعجائب ما شاهدوه في أسفارهم كما يشير إليه قوله تعالى: أو آذان يسمعون بها. فالمقصود بالتعجيب هو حال الذين ساروا في الأرض، ولكن جعل الاستفهام داخلا على نفي السير لأن سير السائرين منهم لما لم يفدهم عبرة وذكرى جعل كالعدم فكان التعجيب من انتفائه، فالكلام جار على خلاف مقتضى الظاهر. والفاء في فتكون سببية جوابية مسبب ما بعدها على السير، أي لم يسيروا سيرا تكون لهم به قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٨٧) ↗