سورة الحج · الآية ٢٤
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض، من الذين أوتوا الكتاب، من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس، ومن المشركين أن الله سيجمعهم جميعهم ليوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي حفظها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: { إن الله على كل شيء شهيد } ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: { هذان خصمان اختصموا في ربهم } كل يدعي أنه المحق. { فالذين كفروا } يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمشركين. { قطعت لهم ثياب من نار } أي: يجعل لهم ثياب من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم. { يصب من فوق رءوسهم الحميم } الماء الحار جدا، يصهر ما في بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء، من شدة حره، وعظيم أمره، { ولهم مقامع من حديد } بيد الملائكة الغلاظ الشداد، تضربهم فيها وتقمعهم، { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، ويقال لهم توبيخا: { وذوقوا عذاب الحريق } أي: المحرق للقلوب والأبدان، { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ومعلوم أن هذا الوصف لا يصدق على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب، وجميع الرسل، { يحلون فيها من أساور من ذهب } أي: يسورون في أيديهم، رجالهم ونساؤهم أساور الذهب. { ولباسهم فيها حرير } فتم نعيمهم بذكر أنواع المأكولات اللذيذات المشتمل عليها، لفظ الجنات، وذكر الأنهار السارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع اللباس، والحلي الفاخر، وذلك بسبب أنهم { وهدوا إلى الطيب من القول } الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، { وهدوا إلى صراط الحميد } أي: الصراط المحمود، وذلك لأن جميع الشرع كله محتو على الحكمة والحمد، وحسن المأمور به، وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… منها -أي: سوار منها-لرد شعاع الشمس، كما ترد (2) الشمس نور القمر. وقوله: {ولباسهم فيها حرير} : في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير، إستبرقه وسندسه، كما قال: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 21، 22] ، وفي الصحيح: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (3) . قال عبد الله بن الزبير: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة، لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: {ولباسهم فيها حرير} وقوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} كقوله {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم: 23] ، وقوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24] ، وقوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25، 26] ، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، {ويلقون فيها تحية وسلاما} [الفرقان: 75] ، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يروعون به (4) ويقرعون به، يقال لهم: {وذوقوا عذاب الحريق} وقوله: {وهدوا إلى صراط الحميد} أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم، على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الصحيح: "إنهم يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس". وقد قال بعض المفسرين في قوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} أي: القرآن. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة، {وهدوا إلى صراط الحميد} أي: الطريق المستقيم في الدنيا. وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٠٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بما أمرهم الله به من صالح الأعمال، فإن الله يدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فيحليهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا. واختلفت القراء في قراءة قوله: {ولؤلؤا} [الحج: 23] فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة نصبا مع التي في الملائكة، بمعنى: يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا، عطفا باللؤلؤ على موضع الأساور، لأن الأساور وإن كانت مخفوضة من أجل دخول (من) فيها، فإنها بمعنى النصب، قالوا: وهي تعد في خط المصحف بالألف، فذلك دليل على صحة القراءة بالنصب فيه. وقرأت ذلك عامة قراء العراق والمصرين: (ولؤلؤ) خفضا، عطفا على إعراب الأساور الظاهر واختلف الذين قرءوا ذلك كذلك في وجه إثبات الألف فيه، فكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لي عنه يقول: أثبتت فيه كما أثبتت في (قالوا)، و (كالوا) . وكان الكسائي يقول: أثبتوها فيه للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٩٩) ↗التحرير والتنوير
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) كان مقتضى الظاهر أن يكون هذا الكلام معطوفا بالواو على جملة فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار [الحج: 19] لأنه قسيم تلك الجملة في تفصيل الإجمال الذي في قوله: هذان خصمان اختصموا في ربهم [الحج: 19] بأن يقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلهم الله جنات ... إلى آخره. فعدل عن ذلك الأسلوب إلى هذا النظم لاسترعاء الأسماع إلى هذا الكلام إذا جاء مبتدأ به مستقلا مفتتحا بحرف التأكيد ومتوجا باسم الجلالة، والبليغ لا تفوته معرفة أن هذا الكلام قسيم للذي قبله في تفصيل إجمال هذان خصمان اختصموا في ربهم [الحج: 19] لوصف حال المؤمنين المقابل لحال الذين كفروا في المكان واللباس وخطاب الكرامة. فقوله: يدخل الذين آمنوا إلخ مقابل قوله: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها [الحج: 22] . وقوله: يحلون فيها من أساور من ذهب يقابل قوله يصب من فوق رؤسهم الحميم [الحج: 19] . وقوله: ولباسهم فيها حرير مقابل قوله: قطعت لهم ثياب من نار [الحج: 19] . وقوله: وهدوا إلى الطيب من القول مقابل قوله: وذوقوا عذاب الحريق [الحج: 22] فإنه من القول النكد. والتحلية وضع الحلي على أعضاء الجسم. حلاه: ألبسه الحلي مثل جلبب. والأساور: جمع أسورة الذي هو جمع سوار. أشير بجمع الجمع إلى التكثير كما تقدم في قوله: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا في [سورة الكهف: 31] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٣١) ↗