سورة الحج · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخاطب الله الناس كافة، بأن يتقوا ربهم، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه، بترك الشرك والفسوق والعصيان، ويمتثلوا أوامره، مهما استطاعوا. ثم ذكر ما يعينهم على التقوى، ويحذرهم من تركها، وهو الإخبار بأهوال القيامة، فقال: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال واندكت، وكانت كثيبا مهيلا، ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج. فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب، ولهذا قال: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت } مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها. { وتضع كل ذات حمل حملها } من شدة الفزع والهول، { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } أي: تحسبهم -أيها الرائي لهم- سكارى من الخمر، وليسوا سكارى. { ولكن عذاب الله شديد }: فلذلك أذهب عقولهم، وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. ويومئذ يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس: 34-37]. وهناك ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا [الفرقان: 27-28] وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه، وتنصب الموازين التي يوزن بها مثاقيل الذر، من الخير والشر، وتنشر صحائف الأعمال وما فيها من جميع الأعمال والأقوال والنيات، من صغير وكبير، وينصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… عظيما، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك" قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من (6) شاء الله} [النمل: 87] ؟ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} (7) . وهذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغير واحد (8) مطولا جدا. والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة (9) كائنة قبل يوم الساعة، وأضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم. وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال، كائن يوم القيامة في العرصات، بعد القيامة من القبور. واختار ذلك ابن جرير. واحتجوا بأحاديث: الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا (10) قتادة، عن الحسن، عن عمران [ابن] (11) حصين؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير، رفع بهاتين الآيتين صوته: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٩٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بطاعته، فأطيعوه ولا تعصوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد. ثم وصف جل ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوه، فقال: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جل ثناؤه بالشدة، فقال بعضهم: هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٤٦) ↗التحرير والتنوير
في «دلائل الإعجاز» في فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة وقد ذكرناه عند قوله تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا في [سورة البقرة: 229] . والعظيم: الضخم، وهو هنا استعارة للقوي الشديد، والمقام يفيد أنه شديد في الشر. [2] 2] يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) جملة يوم ترونها تذهل إلخ ... بيان لجملة إن زلزلة الساعة شيء عظيم [الحج: 1] لأن ما ذكر في هذه الجملة يبين معنى كونها شيئا عظيما وهو أنه عظيم في الشر والرعب. ويتعلق يوم ترونها بفعل تذهل . وتقديمه على عامله للاهتمام بالتوقيت بذلك اليوم وتوقع رؤيته لكل مخاطب من الناس. وأصل نظم الجملة: تذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم ترون زلزلة الساعة. فالخطاب لكل من تتأتى منه رؤية تلك الزلزلة بالإمكان. وضمير النصب في ترونها يجوز أن يعود على زلزلة [الحج: 1] وأطلقت الرؤية على إدراكها الواضح الذي هو كرؤية المرئيات لأن الزلزلة تسمع ولا ترى. ويجوز أن يعود إلى الساعة. ورؤيتها: رؤية ما يحدث فيها من المرئيات من حضور الناس للحشر وما يتبعه ومشاهدة أهوال العذاب. وقرينة ذلك قوله تذهل كل مرضعة إلخ.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٨٨) ↗