البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنبياء · الآية ٨١

﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: واذكر هذين النبيين الكريمين " داوود " و " سليمان " مثنيا مبجلا، إذ آتاهما الله العلم الواسع، والحكم بين العباد، بدليل قوله: { إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم } أي: إذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلا، فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها، ويقومون على بستان صاحب الحرث حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام، ولهذا قال: { ففهمناها سليمان } أي: فهمناه هذه القضية، ولا يدل ذلك أن داود لم يفهمه الله في غيرها، ولهذا خصها بالذكر بدليل قوله: { وكلا } من داود وسليمان { آتينا حكما وعلما } وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحق والصواب، وقد يخطئ ذلك، وليس بمعلوم إذا أخطأ مع بذل اجتهاده. ثم ذكر ما خص به كلا منهما فقال: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير } وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا وتسبيحا وتمجيدا، وكان قد أعطاه [الله] من حسن الصوت ورقته ورخامته، ما لم يؤته أحدا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال الصم والطيور البهم، وهذا فضل الله عليه وإحسانه، فلهذا قال: { وكنا فاعلين }. { وعلمناه صنعة لبوس لكم } أي: علم الله داود عليه السلام، صنعة الدروع، فهو أول من صنعها وعلمها، وسرت صناعته إلى من بعده، فألان الله له الحديد، وعلمه كيف يسردها، والفائدة فيها كبيرة، { لتحصنكم من بأسكم } أي: هي وقاية لكم، وحفظ عند الحرب واشتداد البأس. { فهل أنتم شاكرون } نعمة الله عليكم، حيث أجراها على يد عبده داود، كما قال تعالى: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وهكذا قال شريح، ومرة، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد وغير واحد. وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل، عن عامر، قال: جاء رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: إن شاة هذا قطعت غزلا لي، فقال شريح: نهارا أم ليلا؟ فإن كان نهارا فقد برئ صاحب الشاة، وإن كان ليلا ضمن، ثم قرأ: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه} الآية. وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث الليث بن سعد، عن الزهري، عن حرام بن محيصة (1) ؛ أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (2) . وقد علل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب "الأحكام" وبالله التوفيق. وقوله: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حميد؛ أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، قال (3) ما يبكيك؟ قال (4) يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان، عليهما السلام، والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود. ثم قال -يعني: الحسن-: إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثا: لا يشترون به ثمنا قليلا ولا يتبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحدا، ثم تلا {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (5) ] } وقال: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة:44] ، وقال {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} [المائدة:44] . قلت: أما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

… شهر ورواحها شهر} [سبأ: 12] . قال: فذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان، إما من الجن، PageEndV16P332 وإما من الإنس: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن راحلون منه إن شاء الله قائلون الشام حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولسليمان الريح عاصفة} [الأنبياء: 81] . إلى قوله: {وكنا لهم حافظين} [الأنبياء: 82] قال: ورث الله سليمان داود، فورثه نبوته وملكه وزاده على ذلك أن سخر له الريح والشياطين حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره} [الأنبياء: 81] قال: عاصفة: شديدة {تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها} [الأنبياء: 81] قال: الشام واختلفت القراء في قراءة قوله: {ولسليمان الريح} [الأنبياء: 81] فقرأته عامة قراء الأمصار بالنصب على المعنى الذي ذكرناه. وقرأ ذلك عبد الرحمن الأعرج: «الريح» رفعا بالكلام في سليمان على ابتداء الخبر عن أن لسليمان الريح. قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار , لإجماع الحجة من القراء عليه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٣٣٢) ↗

التحرير والتنوير

وقرأ الجمهور ليحصنكم بالمثناة التحتية على ظاهر إضمار لفظ لبوس. وإسناد الإحصان إلى اللبوس إسناد مجازي. وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر- بالمثناة الفوقية- على تأويل معنى لبوس بالدرع، وهي مؤنثة، وقرأ أبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب لنحصنكم بالنون. وضمائر الخطاب في لكم، ليحصنكم، من بأسكم، فهل أنتم شاكرون موجهة إلى المشركين تبعا لقوله تعالى قبل ذلك: وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون [الأنبياء: 50] لأنهم أهملوا شكر نعم الله تعالى التي منها هذه النعمة إذ عبدوا غيره. والإحصان: الوقاية والحماية. والبأس: الحرب. ولذلك كان الاستفهام في قوله تعالى فهل أنتم شاكرون مستعملا في استبطاء عدم الشكر ومكنى به عن الأمر بالشكر. وكان العدول عن إيلاء (هل) الاستفهامية بجملة فعلية إلى الجملة الاسمية مع أن ل (هل) مزيد اختصاص بالفعل، فلم يقل: فهل تشكرون، وعدل إلى فهل أنتم شاكرون ليدل العدول عن الفعلية إلى الاسمية على ما تقتضيه الاسمية من معنى الثبات والاستمرار، أي فهل تقرر شكركم وثبت لأن تقرر الشكر هو الشأن في مقابلة هذه النعمة نظير قوله تعالى فهل أنتم منتهون في آية تحريم الخمر [المائدة: 91] . [81] 81] ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) عطف على جملة وسخرنا مع داود الجبال يسبحن [الأنبياء: 79] بمناسبة تسخير خارق للعادة في كلتا القصتين معجزة للنبئين عليهما السلام.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٢٢) ↗