سورة الأنبياء · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكا، لا يحتاج إلى طعام وشراب، وتصرف في الأسواق، وهلا كان خالدا؟ فإذا لم يكن كذلك، دل على أنه ليس برسول. وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل، تشابهوا في الكفر، فتشابهت أقوالهم، فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المكذبين للرسول، المقرين بإثبات الرسل قبله - ولو لم يكن إلا إبراهيم عليه السلام، الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف، والمشركون يزعمون أنهم على دينه وملته - بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، كلهم من البشر، الذين يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارض البشرية، من الموت وغيره، وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدقهم من صدقهم، وكذبهم من كذبهم، وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة والسعادة لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفين المكذبين لهم. فما بال محمد صلى الله عليه وسلم، تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته، وهي موجودة في إخوانه المرسلين، الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟ فهذا إلزام لهم في غاية الوضوح، وأنهم إن أقروا برسول من البشر، ولن يقروا برسول من غير البشر، إن شبههم باطلة، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها، وتناقضهم بها، فلو قدر انتقالهم من هذا إلى إنكار نبوة البشر رأسا، وأنه لا يكون نبي إن لم يكن ملكا مخلدا، لا يأكل الطعام، فقد أجاب [الله] تعالى عن هذه الشبهة بقوله: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون [الأنعام: 8-9]. وأن البشر لا طاقة لهم بتلقي الوحي من الملائكة قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا [الإسراء: 95] فإن حصل معكم شك وعدم علم بحالة الرسل المتقدمين { فاسئلوا أهل الذكر } من الكتب السالفة، كأهل التوراة والإنجيل، يخبرونكم بما عندهم من العلم، وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل إليهم. وهذه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الملائكة، كما قال في الآية الأخرى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى (1) إليهم من أهل القرى} [يوسف: 109] ، وقال تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف:9] ، وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا: {أبشر يهدوننا} [التغابن:6] ؛ ولهذا قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي:اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة؟ إنما كانوا بشرا، وذلك من تمام نعم الله على خلقه؛ إذ بعث فيهم رسلا (2) منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم. وقوله: {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام} أي: بل قد كانوا أجسادا يأكلون الطعام، كما قال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان:20] أي: قد كانوا بشرا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئا، كما توهمه المشركون في قولهم: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الفرقان: 7، 8] . وقوله: {وما كانوا خالدين} أي: في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون، {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} [الأنبياء:34] ، وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكم (3) في خلقه مما يأمر به وينهى عنه. وقوله: {ثم صدقناهم الوعد} أي: الذي وعدهم ربهم: "ليهلكن الظالمين"، صدقهم الله وعده ففعل ذلك؛ ولهذا قال: {فأنجيناهم ومن نشاء} أي: أتباعهم من المؤمنين، {وأهلكنا المسرفين} أي: المكذبين بما جاءت الرسل به. {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) } يقول تعالى منبها على شرف القرآن، ومحرضا لهم على معرفة قدره: {لقد أنزلنا إليكم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أجسادا مثلك يأكلون الطعام:
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٢٩) ↗التحرير والتنوير
عنهم في تقريره وجعل من الكلام الموجه إلى كل سامع وجعلوا فيه معبرا عنهم بضمائر الغيبة، ولما أريد تجهيلهم وإلجاؤهم إلى الحجة عليهم غير الكلام إلى الخطاب تسجيلا عليهم وتقريعا لهم بتجهيلهم. [8] 8] وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) الجسد: الجسم الذي لا حياة فيه، وهو يرادف الجثة. هذا قول المحققين من أيمة اللغة مثل أبي إسحاق الزجاج في تفسير قوله تعالى: فأخرج لهم عجلا جسدا [طه: 88] . وقد تقدم هناك، ومنه قوله تعالى: ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا [ص: 34] . قيل هو شق غلام لا روح فيه ولدته إحدى نسائه، أي ما جعلناهم أجراما غير منبثة فيها الأرواح بحيث تنتفي عنهم صفات البشر التي خاصتها أكل الطعام، وهذا رد لما يقولونه مال هذا الرسول يأكل الطعام [الفرقان: 7] مع قولهم هنا هل هذا إلا بشر مثلكم [الأنبياء: 3] . وذكر الجسد يفيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام [الفرقان: 7] ، وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى أقوالهم أن الرسل الأولين كانوا في صور الآدميين لكنهم لا يأكلون الطعام وأكل الطعام من لوازم الحياة، فلزمهم لما قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام أن يكونوا قائلين بأن شأن الرسل أن يكونوا أجسادا بلا أرواح، وهذا من السخافة بمكانة. وأما قوله: وما كانوا خالدين فهو زيادة استدلال لتحقيق بشريتهم استدلالا بما هو واقع من عدم كفاءة أولئك الرسل كما هو معلوم بالمشاهدة، لقطع معاذير الضالين، فإن زعموا أن قد كان الرسل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٩) ↗