سورة الأنبياء · الآية ٥٠
﴿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كثيرا ما يجمع تعالى بين هذين الكتابين الجليلين، اللذين لم يطرق العالم أفضل منهما، ولا أعظم ذكرا، ولا أبرك، ولا أعظم هدى وبيانا [وهما التوراة والقرآن]، فأخبر أنه آتى موسى أصلا، وهارون تبعا { الفرقان } وهي التوراة الفارقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأنها { وضيآء } أي: نور يهتدي به المهتدون، ويأتم به السالكون، وتعرف به الأحكام، ويميز به بين الحلال والحرام، وينير في ظلمة الجهل والبدع والغواية، { وذكرا للمتقين } يتذكرون به ما ينفعهم وما يضرهم، ويتذكر به الخير والشر، وخص { للمتقين } بالذكر، لأنهم المنتفعون بذلك، علما وعملا. ثم فسر المتقين فقال: { الذين يخشون ربهم بالغيب } أي: يخشونه في حال غيبتهم، وعدم مشاهدة الناس لهم، فمع المشاهدة أولى، فيتورعون عما حرم، ويقومون بما ألزم، { وهم من الساعة مشفقون } أي: خائفون وجلون، لكمال معرفتهم بربهم، فجمعوا بين الإحسان والخوف، والعطف هنا من باب عطف الصفات المتغايرات، الواردة على شيء واحد وموصوف واحد. { وهذا } أي: القرآن { ذكر مبارك أنزلناه } فوصفه بوصفين جليلين، كونه ذكرا يتذكر به جميع المطالب، من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن صفات الرسل والأولياء وأحوالهم، ومن أحكام الشرع من العبادات والمعاملات وغيرها، ومن أحكام الجزاء والجنة والنار، فيتذكر به المسائل والدلائل العقلية والنقلية، وسماه ذكرا، لأنه يذكر ما ركزه الله في العقول والفطر، من التصديق بالأخبار الصادقة، والأمر بالحسن عقلا، والنهي عن القبيح عقلا، وكونه { مبارك } يقتضي كثرة خيراته ونمائها وزيادتها، ولا شيء أعظم بركة من هذا القرآن، فإن كل خير ونعمة، وزيادة دينية أو دنيوية أو أخروية، فإنها بسببه، وأثر عن العمل به، فإذا كان ذكرا مباركا، وجب تلقيه بالقبول والانقياد، والتسليم، وشكر الله على هذه المنحة الجليلة، والقيام بها، واستخراج بركته، بتعلم ألفاظه ومعانيه، وأما مقابلته بضد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما؛ ولهذا قال: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} . قال مجاهد: يعني: الكتاب. وقال أبو صالح: التوراة، وقال قتادة: التوراة، حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: يعني: النصر. وجامع القول في ذلك: أن الكتب السماوية تشتمل على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورا في القلوب، وهداية وخوفا وإنابة وخشية؛ ولهذا قال: {الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} أي: [تذكيرا] (1) لهم وعظة. ثم وصفهم فقال: {الذين يخشون ربهم بالغيب} كقوله {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} [ق:33] ، وقوله: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} [الملك:12] ، {وهم من الساعة مشفقون} أي: خائفون وجلون. ثم قال تعالى: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} يعني: القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، {أفأنتم له منكرون} أي: أفتنكرونه وهو في غاية [الجلاء] (2) والظهور؟. يخبر تعالى عن خليله إبراهيم، عليه السلام، أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام:83] ، وما يذكر من الأخبار عنه (3) في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع، وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات، فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم -فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وفقا، وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك ما لا فائدة فيه، ولا حاصل له
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٤٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أفأنتم أيها القوم لهذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد منكرون وتقولون: هو {أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} [الأنبياء: 5] وإنما الذي آتيناه من ذلك ذكر للمتقين، كالذي آتينا موسى وهارون ذكرا للمتقين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٨٩) ↗التحرير والتنوير
تظلم نفس شيئا. والتقدير: وكفى الناس نحن في حال حسابهم. ومعنى كفاهم نحن حاسبين أنهم لا يتطلعون إلى حاسب آخر يعدل مثلنا. وهذا تأمين للناس من أن يجازى أحد منهم بما لا يستحقه. وفي ذلك تحذير من العذاب وترغيب في الثواب. وضمير الجمع في قوله تعالى حاسبين مراعى فيه ضمير العظمة من قوله تعالى بنا، والباء مزيدة للتوكيد، وأصل التركيب: كفينا الناس، وهذه الباء تدخل بعد فعل (كفى) غالبا فتدخل على فاعله في الأكثر كما هنا وقوله تعالى: وكفى بالله شهيدا في [سورة النساء: 79] . وتدخل على مفعوله كما في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع» . وانتصب حاسبين على الحال أو التمييز لنسبة كفى. وتقدمت نظائر هذا التركيب غير مرة منها في قوله تعالى وكفى بالله شهيدا في [سورة النساء: 79] . [48- 50] 50] ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) عطف على جملة بل قالوا أضغاث أحلام إلى قوله تعالى: فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [الأنبياء: 5] لإقامة الحجة على المشركين بالدلائل العقلية والإقناعية والزجرية، ثم بدلائل شواهد التاريخ وأحوال الأمم السابقة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٨٧) ↗