سورة طه · الآية ٨٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كان الله تعالى، قد واعد موسى أن يأتيه لينزل عليه التوراة ثلاثين ليلة، فأتمها بعشر، فلما تم الميقات، بادر موسى عليه السلام إلى الحضور للموعد شوقا لربه، وحرصا على موعوده، فقال الله له: { ومآ أعجلك عن قومك يموسى } أي: ما الذي قدمك عليهم؟ ولم لم تصبر حتى تقدم أنت وهم؟ قال: { هم أولاء على أثري } أي: قريبا مني، وسيصلون في أثري والذي عجلني إليك يا رب طلبا لقربك ومسارعة في رضاك، وشوقا إليك، فقال الله له: { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } أي: بعبادتهم للعجل، ابتليناهم، واختبرناهم، فلم يصبروا، وحين وصلت إليهم المحنة، كفروا { وأضلهم السامري }. { فأخرج لهم عجلا جسدا } وصاغه فصار { له خوار فقالوا } لهم { هذآ إلهكم وإله موسى } فنسيه موسى، فافتتن به بنو إسرائيل، فعبدوه، ونهاهم هارون فلم ينتهوا، فلما رجع موسى إلى قومه وهو غضبان أسف، أي: ممتلئ غيظا وحنقا وغما، قال لهم موبخا ومقبحا لفعلهم: { يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } وذلك بإنزال التوراة، { أفطال عليكم العهد } أي: المدة، فتطاولتم غيبتي وهي مدة قصيرة؟ هذا قول كثير من المفسرين، ويحتمل أن معناه: أفطال عليكم عهد النبوة والرسالة، فلم يكن لكم بالنبوة علم ولا أثر، واندرست آثارها، فلم تقفوا منها على خبر، فانمحت آثارها لبعد العهد بها، فعبدتم غير الله، لغلبة الجهل، وعدم العلم بآثار الرسالة؟ أي: ليس الأمر كذلك، بل النبوة بين أظهركم، والعلم قائم، والعذر غير مقبول؟ أم أردتم بفعلكم، أن يحل عليكم غضب من ربكم؟ أي: فتعرضتم لأسبابه واقتحمتم موجب عذابه، وهذا هو الواقع، { فأخلفتم موعدي } حين أمرتكم بالاستقامة، ووصيت بكم هارون، فلم ترقبوا غائبا، ولم تحترموا حاضرا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: طه ٨٣–٨٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السامري. وفي الكتب الإسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة، كما قال تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين} [الأعراف: 145] أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري. وقوله: {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم. وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يعلم كل عاقل له لب [وحزم] (1) بطلان (2) [ما هم فيه] (3) وسخافة عقولهم وأذهانهم؛ ولهذا رجع إليهم غضبان أسفا، والأسف: شدة الغضب. وقال مجاهد: {غضبان أسفا} أي: جزعا. وقال قتادة، والسدي: {أسفا} أي: حزينا على ما صنع قومه من بعده. {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟ {أفطال عليكم العهد} أي: في انتظار ما وعدكم الله. ونسيان ما سلف من (4) نعمه، وما بالعهد من قدم. {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} "أم" هاهنا بمعنى "بل" وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم {فأخلفتم موعدي * قالوا} أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم (5) موسى وقرعهم: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي: عن قدرتنا واختيارنا. ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر، {فقذفناها} أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث "الفتون" أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار. وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
موسى قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل، وذلك كان فتنتهم من بعد موسى. ويعني بقوله: {من بعدك} [طه: 85] من بعد فراقك إياهم. يقول الله تبارك وتعالى: {وأضلهم السامري} [طه: 85] وكان إضلال السامري إياهم دعاءه إياهم إلى عبادة العجل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٣٠) ↗التحرير والتنوير
وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) عطف على جملة أسر بعبادي [طه: 77] الواقعة تفسيرا لفعل أوحينا إلى موسى [طه: 77] ، فقوله وما أعجلك عن قومك هو مما أوحى الله به إلى موسى. والتقدير: وأن: ما أعجلك إلخ. وهو إشارة إلى ما وقع لهم أيام مناجاة موسى في الطور في الشهر الثالث لخروجهم من مصر. وهذا الجزء من القصة لم يذكر في سورة الأعراف. والإعجال: جعل الشيء عاجلا. والاستفهام مستعمل في اللوم. والذي يؤخذ من كلام المفسرين وتشير إليه الآية: أن موسى تعجل مفارقة قومه ليحضر إلى المناجاة قبل الإبان الذي عينه الله له، اجتهادا منه ورغبة في تلقي الشريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط بنو إسرائيل بجبل الطور، ولم يراع في ذلك إلا السبق إلى ما فيه خير لنفسه ولقومه، فلامه الله على أن غفل عن مراعاة ما يحف بذلك من ابتعاده عن قومه قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذرهم مكر من يتوسم فيه مكرا، فكان في ذلك بمنزلة أبي بكر حين دخل المسجد فوجد النبيء صلى الله عليه وسلم راكعا فركع ودب إلى الصف فقال له النبيء صلى الله عليه وسلم: «زادك الله حرصا ولا تعد» . وقريب من تصرف موسى- عليه السلام- أخذ المجتهد بالدليل الذي له معارض دون علم بمعارضة، وكان ذلك سبب افتتان قومه بصنع صنم يعبدونه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٧٧) ↗