سورة طه · الآية ٦٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى * قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى }. يخبر تعالى، أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع، جميع أنواعها العيانية، والأفقية والنفسية، فما استقام ولا ارعوى، وإنما كذب وتولى، كذب الخبر، وتولى عن الأمر والنهي، وجعل الحق باطلا، والباطل حقا، وجادل بالباطل ليضل الناس، فقال: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك } زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى، سحر وتمويه، المقصود منها إخراجهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه، فإن الطباع تميل إلى أوطانها، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها. فأخبرهم أن موسى هذا قصده، ليبغضوه، ويسعوا في محاربته، فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا، واجعل لنا { موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } أي: مستو علمنا وعلمك به، أو مكانا مستويا معتدلا ليتمكن من رؤية ما فيه. فقال موسى: { موعدكم يوم الزينة } وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، { وأن يحشر الناس ضحى } أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره، { فتولى فرعون فجمع كيده } أي: جميع ما يقدر عليه، مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشر السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك متوفرا، وعلمه علما مرغوبا فيه، فجمع خلقا كثيرا من السحرة، ثم أتى كل منهما للموعد، واجتمع الناس للموعد. فكان الجمع حافلا، حضره الرجال والنساء، والملأ، والأشراف، والعوام، والصغار، والكبار، وحضوا الناس على الاجتماع، وقالوا للناس: هل أنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
صلى الله عليه وسلم "إذا أخذتم -يعني الساحر-فاقتلوه" ثم قرأ: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} قال: "لا يؤمن به حيث وجد". وقد روى أصله الترمذي موقوفا ومرفوعا. (1) فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه، علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجدا لله وقالوا: {آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [الشعراء: 47، 48] . ولهذا قال ابن عباس، وعبيد بن عمير:كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. قال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفا، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفا. وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفا. وقال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة: كان (2) سحرة فرعون تسعة عشر ألفا. وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفا. وقال كعب الأحبار كانوا اثني عشر ألفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا (3) علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجدا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها. قال: وذكر عن سعيد بن سلام: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قوله: {فألقي السحرة سجدا} قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم. وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٠٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[سورة: طه، آية رقم: 65] وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفاء بدلالة الكلام عليه. واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفا، فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كل ساحر منهم حبل وعصا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٠٧) ↗التحرير والتنوير
والصف: مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول، أي صافين أو مصفوفين، إذا ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين، لأنهم إذا كانوا الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظرا، قال تعالى: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا [الصف: 4] . وكان جميع سحرة البلاد المصرية قد أحضروا بأمر فرعون فكانوا عددا كثيرا. فالصف هنا مراد به الجنس لا الواحدة، أي ثم ائتوا صفوفا، فهو كقوله تعالى: يوم يقوم الروح والملائكة صفا [النبأ: 38] وقال: والملك صفا صفا [الفجر: 22] . وانتصب صفا على الحال من فاعل ائتوا والمقصود الإتيان إلى موضع إلقاء سحرهم وشعوذتهم، لأن التناجي والتآمر كان في ذلك اليوم بقرينة قولهم وقد أفلح اليوم من استعلى. وجملة وقد أفلح اليوم من استعلى تذييل للكلام يجمع ما قصدوه من تآمرهم بأن الفلاح يكون لمن غلب وظهر في ذلك الجمع. ف استعلى مبالغة في علا، أي علا صاحبه وقهره، فالسين والتاء للتأكيد مثل استأخر. وأرادوا الفلاح في الدنيا لأنهم لم يكونوا يؤمنون بأن أمثال هذه المواقف مما يؤثر في حال الحياة الأبدية وإن كانوا يؤمنون بالحياة الثانية. [65- 66] 66] قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) تقدمت هذه القصة ومعانيها في سورة الأعراف سوى أن الأولية هنا مصرح بها في أحد الشقين. فكانت صريحة في أن التخيير يتسلط على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٥٧) ↗