سورة طه · الآية ٥٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى * قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى }. يخبر تعالى، أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع، جميع أنواعها العيانية، والأفقية والنفسية، فما استقام ولا ارعوى، وإنما كذب وتولى، كذب الخبر، وتولى عن الأمر والنهي، وجعل الحق باطلا، والباطل حقا، وجادل بالباطل ليضل الناس، فقال: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك } زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى، سحر وتمويه، المقصود منها إخراجهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه، فإن الطباع تميل إلى أوطانها، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها. فأخبرهم أن موسى هذا قصده، ليبغضوه، ويسعوا في محاربته، فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا، واجعل لنا { موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } أي: مستو علمنا وعلمك به، أو مكانا مستويا معتدلا ليتمكن من رؤية ما فيه. فقال موسى: { موعدكم يوم الزينة } وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، { وأن يحشر الناس ضحى } أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره، { فتولى فرعون فجمع كيده } أي: جميع ما يقدر عليه، مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشر السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك متوفرا، وعلمه علما مرغوبا فيه، فجمع خلقا كثيرا من السحرة، ثم أتى كل منهما للموعد، واجتمع الناس للموعد. فكان الجمع حافلا، حضره الرجال والنساء، والملأ، والأشراف، والعوام، والصغار، والكبار، وحضوا الناس على الاجتماع، وقالوا للناس: هل أنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه {فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي: يوما نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندك من السحر في مكان معين ووقت معين فعند ذلك {قال} لهم موسى {موعدكم يوم الزينة} وهو يوم عيدهم ونوروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم؛ ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: {وأن يحشر الناس} أي: جميعهم {ضحى} أي: ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء، كل أمرهم واضح، بين، ليس فيه خفاء ولا ترويج؛ ولهذا لم يقل "ليلا" ولكن نهارا ضحى. قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء. وقال السدي، وقتادة، وابن زيد: كان يوم عيدهم. وقال سعيد بن جبير: يوم سوقهم. ولا منافاة. قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح. وقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى، اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه. قال موسى: لم أومر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك، إن أنت لم تخرج دخلت إليك. فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أن يجعل هو. قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوما. ففعل. وقال مجاهد، وقتادة: {مكانا سوى} (1) منصفا. وقال السدي: عدلا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {مكانا سوى} [مستوى] (2) يتبين الناس ما (3) فيه، لا يكون صوب (4) ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حتى (5) يرى. يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه لما تواعد هو بموسى (6) عليه السلام، إلى وقت ومكان معلومين، تولى، أي: شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب (7) إلى سحر في ذلك الزمان. وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا، كما قال تعالى: {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} [يونس: 79] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٠٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بسحرك هذا الذي جئتنا به {فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا} [طه: 58] لا نتعداه، لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه، لا نخلف ذلك الموعد {نحن ولا أنت مكانا سوى} [طه: 58] يقول: بمكان عدل بيننا وبينك ونصف. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: (مكانا سوى) بكسر السين، وقرأته عامة قراء الكوفة: {مكانا سوى} [طه: 58] بضمها. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما لغتان، أعني
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٨٨) ↗التحرير والتنوير
وظاهر صنيع المفسرين أنهم جعلوا جملة ولقد أريناه آياتنا عطفا على جملة قال فمن ربكما يا موسى [طه: 49] ، وجملة قال فمن ربكما بيانا لجملة فكذب وأبى. فيستلزم ذلك أن يكون عزم فرعون على إحضار السحرة متأخرا عن إرادة الآيات كلها فوقعوا في إشكال صحة التعميم في قوله تعالى: آياتنا كلها. وكيف يكون ذلك قبل اعتراف السحرة بأنهم غلبوا مع أن كثيرا من الآيات إنما ظهر بعد زمن طويل مثل: سني القحط، والدم، وانفلاق البحر. وهذا الحمل لا داعي إليه لأن العطف بالواو لا يقتضي ترتيبا. [57- 59] 59] قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) هذه الجملة متصلة بجملة قال فما بال القرون الأولى [طه: 51] وجواب موسى عنها. وافتتاحها بفعل قال وعدم عطفه لا يترك شكا في أن هذا من تمام المحاورة. وقوله أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يقتضي أنه أراه آية انقلاب العصا حية، وانقلاب يده بيضاء. وذلك ما سماه فرعون سحرا. وقد صرح بهذا المقتضى في قوله تعالى حكاية عنهما: قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ...
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٤٣) ↗