سورة طه · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال فرعون لموسى على وجه الإنكار: { فمن ربكما يموسى } فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح، فقال: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته، { ثم هدى } كل مخلوق إلى ما خلقه له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات فكل مخلوق، تجده يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل، ما يتمكن به على ذلك. وهذا كقوله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه [السجدة: 7] فالذي خلق المخلوقات، وأعطاها خلقها الحسن، الذي لا تقترح العقول فوق حسنه، وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكاره إنكار لأعظم الأشياء وجودا، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب، فلو قدر أن الإنسان، أنكر من الأمور المعلومة ما أنكر، كان إنكاره لرب العالمين أكبر من ذلك، ولهذا لما لم يمكن فرعون، أن يعاند هذا الدليل القاطع، عدل إلى المشاغبة، وحاد عن المقصود فقال لموسى: { فما بال القرون الأولى } أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ فقال موسى: { علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } أي: قد أحصى أعمالهم من خير وشر، وكتبه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وأحاط به علما وخبرا، فلا يضل عن شيء منها، ولا ينسى ما علمه منها. ومضمون ذلك، أنهم قدموا إلى ما قدموا، ولاقوا أعمالهم، وسيجازون عليها، فلا معنى لسؤالك واستفهامك يا فرعون عنهم، فتلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، فإن كان الدليل الذي أوردناه عليك، والآيات التي أريناكها، قد تحققت صدقها ويقينها، وهو الواقع، فانقد إلى الحق، ودع عنك الكفر والظلم، وكثرة الجدال بالباطل، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستقيمة، فالطريق مفتوح وباب البحث غير …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الضحاك عن ابن عباس: جعل الإنسان إنسانا، والحمار حمارا، والشاة شاة. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سوى خلق كل دابة. وقال سعيد بن جبير في قوله: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب (1) من خلق الشاة، وأعطى كل (2) شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئا من أفعاله (3) في الخلق والرزق والنكاح. وقال بعض المفسرين: {أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} كقوله تعالى: {والذي قدر فهدى} [الأعلى: 3] أي: قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول: ربنا الذي خلق [الخلق] (4) وقدر القدر، وجبل الخليقة على ما أراد. {قال فما بال القرون الأولى} أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك (5) بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم (6) عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال، {لا يضل ربي ولا ينسى} أي: لا يشذ عنه (7) شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئا. يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئا، تبارك وتعالى وتقدس، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان (8) أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك. هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه، عز وجل، حين سأله فرعون عنه، فقال: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ، ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: {الذي جعل لكم الأرض مهادا}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٩٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لم تقر بما تقول، ولم تصدق بما تدعو إليه، ولم تخلص له العبادة، ولكنها عبدت الآلهة والأوثان من دونه، إن كان الأمر على ما تصف من أن الأشياء كلها خلقه، وأنها في نعمه تتقلب، وفي مننه تتصرف؟ فأجابه موسى فقال: علم هذه الأمم التي مضت من قبلنا فيما فعلت من ذلك، عند ربي في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٨٢) ↗التحرير والتنوير
والاستغراق المستفاد من (كل) عرفي، أي كل شيء من شأنه أن يعطاه أصناف الخلق ويناسب المعطي، أو هو استغراق على قصد التوزيع بمقابلة الأشياء بالخلق، مثل: ركب القوم دوابهم. والمعنى: تأمل وانظر هل أنت أعطيت الخلق أو لا؟ فلا شك أنه يعلم أنه يعلم أنه ما أعطى كل شيء خلقه، فإذا تأمل علم أن الرب هو الذي أفاض الوجود والنعم على الموجودات كلها، فآمن به بعنوان هذه الصفة وتلك المعرفة الموصلة إلى الاعتقاد الحق. و (ثم) للترتيب بمعنييه الزمني والرتبي، أي خلق الأشياء ثم هدى إلى ما خلقهم لأجله، وهداهم إلى الحق بعد أن خلقهم، وأفاض عليهم النعم، على حد قوله تعالى: ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين [البلد: 8- 10] أي طريقي الخير والشر، أي فرقنا بينهما بالدلائل الواضحة. قال الزمخشري في «الكشاف» : «ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق» . [51- 52] 52] قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) والبال: كلمة دقيقة المعنى، تطلق على الحال المهم، ومصدره الباله بتخفيف اللام، قال تعالى: كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم [محمد: 2] ، أي حالهم. وفي الحديث «كل أمر ذي بال ... » إلخ، وتطلق على الرأي يقال: خطر كذا ببالي. ويقولون: ما ألقى له بالا، وإيثار هذه الكلمة هنا من دقيق الخصائص البلاغية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٣٣) ↗