سورة طه · الآية ٤
﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ طه } من جملة الحروف المقطعة، المفتتح بها كثير من السور، وليست اسما للنبي صلى الله عليه وسلم، { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } أي: ليس المقصود بالوحي، وإنزال القرآن عليك، وشرع الشريعة، لتشقى بذلك، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين، وتعجز عنه قوى العاملين. وإنما الوحي والقرآن والشرع، شرعه الرحيم الرحمن، وجعله موصلا للسعادة والفلاح والفوز، وسهله غاية التسهيل، ويسر كل طرقه وأبوابه، وجعله غذاء للقلوب والأرواح، وراحة للأبدان، فتلقته الفطر السليمة والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان، لعلمها بما احتوى عليه من الخير في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { إلا تذكرة لمن يخشى } إلا ليتذكر به من يخشى الله تعالى، فيتذكر ما فيه من الترغيب إلى أجل المطالب، فيعمل بذلك، ومن الترهيب عن الشقاء والخسران، فيرهب منه، ويتذكر به الأحكام الحسنة الشرعية المفصلة، التي كان مستقرا في عقله حسنها مجملا، فوافق التفصيل ما يجده في فطرته وعقله، ولهذا سماه الله { تذكرة } والتذكرة لشيء كان موجودا، إلا أن صاحبه غافل عنه، أو غير مستحضر لتفصيله، وخص بالتذكرة { من يخشى } لأن غيره لا ينتفع به، وكيف ينتفع به من لم يؤمن بجنة ولا نار، ولا في قلبه من خشية الله مثقال ذرة؟ هذا ما لا يكون، سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى [الأعلى: 10-12] ثم ذكر جلالة هذا القرآن العظيم، وأنه تنزيل خالق الأرض والسماوات، المدبر لجميع المخلوقات، أي: فاقبلوا تنزيله بغاية الإذعان والمحبة والتسليم، وعظموه نهاية التعظيم. وكثيرا ما يقرن بين الخلق والأمر، كما في هذه الآية، وكما في قوله: ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] وفي قوله: الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن [الطلاق: 12] وذلك أنه الخالق الآمر الناهي، فكما أنه لا خالق سواه فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم، وأيضا فإن خلقه للخلق فيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الحكم هذا [هو الليثي] (7) ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب (8) . وقال مجاهد في قوله: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} : هي كقوله: {فاقرءوا ما تيسر من} [المزمل: 20] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة. وقال قتادة: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} : لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة. {إلا تذكرة لمن يخشى} : إن الله أنزل كتابه، وبعث رسله (9) . رحمة، رحم بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه. وقوله: {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا} (10) أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٧٢) ↗التحرير والتنوير
ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) افتتحت السورة بملاطفة النبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله لم يرد من إرساله وإنزال القرآن عليه أن يشقى بذلك، أي تصيبه المشقة ويشده التعب، ولكن أراد أن يذكر بالقرآن من يخاف وعيده. وفي هذا تنويه أيضا بشأن المؤمنين الذين آمنوا بأنهم كانوا من أهل الخشية ولولا ذلك لما ادكروا بالقرآن. وفي هذه الفاتحة تمهيد لما يرد من أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالاضطلاع بأمر التبليغ، وبكونه من أولي العزم مثل موسى عليه السلام وأن لا يكون مفرطا في العزم كما كان آدم عليه السلام قبل نزوله إلى الأرض. وأدمج في ذلك التنويه بالقرآن لأن في ضمن ذلك تنويها بمن أنزل عليه وجاء به. والشقاء: فرط التعب بعمل أو غم في النفس، قال النابغة: إلا مقالة أقوام شقيت بهم ... كانت مقالتهم قرعا على كبدي وهمزة الشقاء منقلبة عن الواو. يقال: شقاء وشقاوة- بفتح الشين- وشقوة- بكسرها. ووقوع فعل أنزلنا في سياق النفي يقتضي عموم مدلوله، لأن الفعل في سياق النفي بمنزلة النكرة في سياقه، وعموم الفعل يستلزم عموم متعلقانه من مفعول ومجرور. فيعم نفي جميع كل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٨٤) ↗