سورة طه · الآية ٣٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أوحى الله إلى موسى، ونبأه، وأراه الآيات الباهرات، أرسله إلى فرعون، ملك مصر، فقال: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي: تمرد وزاد على الحد في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية - قبحه الله - أي: وطغيانه سبب لهلاكه، ولكن من رحمة الله وحكمته وعدله، أنه لا يعذب أحدا، إلا بعد قيام الحجة بالرسل، فحينئذ علم موسى عليه السلام أنه تحمل حملا عظيما، حيث أرسل إلى هذا الجبار العنيد، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق، وموسى عليه السلام، وحده، وقد جرى منه ما جرى من القتل، فامتثل أمر ربه، وتلقاه بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير الأسباب، التي [هي] من تمام الدعوة، فقال: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه وأفسحه، لأتحمل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدر قلبي بذلك، ولا يضيق صدري، فإن الصدر إذا ضاق، لم يصلح صاحبه لهداية الخلق ودعوتهم. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران: 159] وعسى الخلق يقبلون الحق مع اللين وسعة الصدر وانشراحه عليهم. { ويسر لي أمري } أي: سهل علي كل أمر أسلكه وكل طريق أقصده في سبيلك، وهون علي ما أمامي من الشدائد، ومن تيسير الأمر أن ييسر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله. { واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي } وكان في لسانه ثقل لا يكاد يفهم عنه الكلام، كما قال المفسرون، كما قال الله عنه أنه قال: وأخي هارون هو أفصح مني لسانا [القصص: 34] فسأل الله أن يحل منه عقدة، يفقهوا ما يقول فيحصل المقصود التام من المخاطبة والمراجعة والبيان عن المعاني. { واجعل لي وزيرا من أهلي } أي معينا يعاونني، ويؤازرني، ويساعدني على من أرسلت إليهم، وسأل أن يكون من أهله، لأنه من باب البر، وأحق ببر الإنسان قرابته، ثم عينه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} [القصص: 10] فذهب به البحر إلى دار فرعون {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] أي قدرا مقدورا (1) من الله، حيث كانوا هم يقتلون الغلمان (2) من بني إسرائيل، حذرا من وجود موسى، فحكم الله -وله السلطان العظيم، والقدرة التامة-ألا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه، مع محبته وزوجته له؛ ولهذا قال: {يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني} [أي: عند عدوك، جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل: {وألقيت عليك محبة مني} ] (3) قال: حببتك إلى عبادي. {ولتصنع على عيني} قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: {ولتصنع على عيني} بحيث أرى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. وقوله: {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع، فأباها، قال الله عز وجل: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} فجات أخته وقالت (4) {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون} [القصص: 12] . تعني (5) هل أدلكم على من ترضعه (6) لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة (7) أغنم وأجزل؛ ولهذا جاء في الحديث: "مثل الصانع الذي يحتسب (8) في صنعته الخير، كمثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها" (9) . وقال تعالى هاهنا: {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن} أي: عليك، {وقتلت نفسا} يعني: القبطي، {فنجيناك من الغم} وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله (10) ففر منهم هاربا، حتى ورد ماء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وزيرا لك، وشد أزرك به، وإشراكه في الرسالة معك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٦) ↗التحرير والتنوير
الآية، أي كررنا الآيات لنريك بعض آياتنا فتعلم قدرتنا على غيرها، ويجوز أن يتعلق لنريك بمحذوف دل عليه قوله ألقها وما تفرع عليه. وقوله واضمم يدك إلى جناحك وما بعده، وتقدير المحذوف: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا. ومن آياتنا في موضع المفعول الثاني لنريك، فتكون (من) فيه اسما بمعنى بعض على رأي التفتازاني. وتقدم عند قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله في سورة البقرة [8] ، ويشير إليه كلام «الكشاف» هنا. والكبرى صفة ل آياتنا. والكبر: مستعار لقوة الماهية. أي آياتنا القوية الدلالة على قدرتنا أو على أنا أرسلناك. [24- 36] 36] اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) لما أظهر الله له الآيتين فعلم بذلك أنه مؤيد من الله تعالى، أمره الله بالأمر العظيم الذي من شأنه أن يدخل الروع في نفس المأمور به وهو مواجهة أعظم ملوك الأرض يومئذ بالموعظة ومكاشفته بفساد حاله، وقد جاء في الآيات الآتية:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٠٩) ↗