سورة طه · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أوحى الله إلى موسى، ونبأه، وأراه الآيات الباهرات، أرسله إلى فرعون، ملك مصر، فقال: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي: تمرد وزاد على الحد في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية - قبحه الله - أي: وطغيانه سبب لهلاكه، ولكن من رحمة الله وحكمته وعدله، أنه لا يعذب أحدا، إلا بعد قيام الحجة بالرسل، فحينئذ علم موسى عليه السلام أنه تحمل حملا عظيما، حيث أرسل إلى هذا الجبار العنيد، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق، وموسى عليه السلام، وحده، وقد جرى منه ما جرى من القتل، فامتثل أمر ربه، وتلقاه بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير الأسباب، التي [هي] من تمام الدعوة، فقال: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه وأفسحه، لأتحمل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدر قلبي بذلك، ولا يضيق صدري، فإن الصدر إذا ضاق، لم يصلح صاحبه لهداية الخلق ودعوتهم. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك [آل عمران: 159] وعسى الخلق يقبلون الحق مع اللين وسعة الصدر وانشراحه عليهم. { ويسر لي أمري } أي: سهل علي كل أمر أسلكه وكل طريق أقصده في سبيلك، وهون علي ما أمامي من الشدائد، ومن تيسير الأمر أن ييسر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله. { واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي } وكان في لسانه ثقل لا يكاد يفهم عنه الكلام، كما قال المفسرون، كما قال الله عنه أنه قال: وأخي هارون هو أفصح مني لسانا [القصص: 34] فسأل الله أن يحل منه عقدة، يفقهوا ما يقول فيحصل المقصود التام من المخاطبة والمراجعة والبيان عن المعاني. { واجعل لي وزيرا من أهلي } أي معينا يعاونني، ويؤازرني، ويساعدني على من أرسلت إليهم، وسأل أن يكون من أهله، لأنه من باب البر، وأحق ببر الإنسان قرابته، ثم عينه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهاربا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى. قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإني (1) معك أيدي ونصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السموات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان علي، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي (2) وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وخبره (3) أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، [و] (4) لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر [ولم تغلب] (5) ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده (6) فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما (7) زينته، ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
على ربه، وقد بينا معنى الطغيان بما مضى بما أغنى عن إعادته، في هذا الموضع. وفي الكلام محذوف استغنى بفهم السامع بما ذكر منه، وهو قوله: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} [طه: 24] فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك. {قال رب اشرح لي صدري} [طه: 25] يقول: رب اشرح لي صدري، لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون. {ويسر لي أمري} [طه: 26] يقول: وسهل علي
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٢) ↗التحرير والتنوير
الآية، أي كررنا الآيات لنريك بعض آياتنا فتعلم قدرتنا على غيرها، ويجوز أن يتعلق لنريك بمحذوف دل عليه قوله ألقها وما تفرع عليه. وقوله واضمم يدك إلى جناحك وما بعده، وتقدير المحذوف: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا. ومن آياتنا في موضع المفعول الثاني لنريك، فتكون (من) فيه اسما بمعنى بعض على رأي التفتازاني. وتقدم عند قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله في سورة البقرة [8] ، ويشير إليه كلام «الكشاف» هنا. والكبرى صفة ل آياتنا. والكبر: مستعار لقوة الماهية. أي آياتنا القوية الدلالة على قدرتنا أو على أنا أرسلناك. [24- 36] 36] اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) لما أظهر الله له الآيتين فعلم بذلك أنه مؤيد من الله تعالى، أمره الله بالأمر العظيم الذي من شأنه أن يدخل الروع في نفس المأمور به وهو مواجهة أعظم ملوك الأرض يومئذ بالموعظة ومكاشفته بفساد حاله، وقد جاء في الآيات الآتية:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٠٩) ↗