سورة طه · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما بين الله لموسى أصل الإيمان، أراد أن يبين له ويريه من آياته ما يطمئن به قلبه، وتقر به عينه، ويقوي إيمانه، بتأييد الله له على عدوه فقال: { وما تلك بيمينك يموسى } هذا، مع علمه تعالى، ولكن لزيادة الاهتمام في هذا الموضع، أخرج الكلام بطريق الاستفهام، فقال موسى: { هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي } ذكر فيها هاتين المنفعتين، منفعة لجنس الآدمي، وهو أنه يعتمد عليها في قيامه ومشيه، فيحصل فيها معونة. ومنفعة للبهائم، وهو أنه كان يرعى الغنم، فإذا رعاها في شجر الخبط ونحوه، هش بها، أي: ضرب الشجر، ليتساقط ورقه، فيرعاه الغنم. هذا الخلق الحسن من موسى عليه السلام، الذي من آثاره، حسن رعاية الحيوان البهيم، والإحسان إليه دل على عناية من الله له واصطفاء، وتخصيص تقتضيه رحمة الله وحكمته. { ولي فيها مآرب } أي: مقاصد { أخرى } غير هذين الأمرين. ومن أدب موسى عليه السلام، أن الله لما سأله عما في يمينه، وكان السؤال محتملا عن السؤال عن عينها، أو منفعتها أجابه بعينها، ومنفعتها فقال الله له: { ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى } انقلبت بإذن الله ثعبانا عظيما، فولى موسى هاربا خائفا، ولم يعقب وفي وصفها بأنها تسعى، إزالة لوهم يمكن وجوده، وهو أن يظن أنها تخييل لا حقيقة، فكونها تسعى يزيل هذا الوهم. فقال الله لموسى: { خذها ولا تخف } أي: ليس عليك منها بأس. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: هيئتها وصفتها، إذ كانت عصا، فامتثل موسى أمر الله إيمانا به وتسليما، فأخذها، فعادت عصاه التي كان يعرفها هذه - آية، ثم ذكر الآية الأخرى، فقال: { واضمم يدك إلى جناحك } أي: أدخل يدك في جيبك، وضم عليك عضدك، الذي هو جناح الإنسان { تخرج بيضآء من غير سوء } أي: بياضا ساطعا، من غير عيب ولا برص { آية أخرى }. قال الله: فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين [القصص: 32]. { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهاربا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى. قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإني (1) معك أيدي ونصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السموات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان علي، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي (2) وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وخبره (3) أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، [و] (4) لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر [ولم تغلب] (5) ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده (6) فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما (7) زينته، ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هما الجنبان. وكان بعضهم يستشهد لقوله ذلك بقول الراجز: [البحر الرجز] أضمه للصدر والجناح وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٩) ↗التحرير والتنوير
عليها الشك في إمكان استتار المعتاد بساتر خفي أو تخييل، فلذلك ابتدئ بسؤاله عما بيده ليوقن أنه ممسك بعصاه حتى إذا انقلبت حية لم يشك في أن تلك الحية هي التي كانت عصاه. فالاستفهام مستعمل في تحقيق حقيقة المسئول عنه. والقصد من ذلك زيادة اطمئنان قلبه بأنه في مقام الاصطفاء، وأن الكلام الذي سمعه كلام من قبل الله بدون واسطة متكلم معتاد ولا في صورة المعتاد، كما دل عليه قوله بعد ذلك لنريك من آياتنا الكبرى [طه: 23] . فظاهر الاستفهام أنه سؤال عن شيء أشير إليه. وبنيت الإشارة بالظرف المستقر وهو قوله بيمينك، ووقع الظرف حالا من اسم الإشارة، أي ما تلك حال كونها بيمينك؟. ففي هذا إيماء إلى أن السؤال عن أمر غريب في شأنها، ولذلك أجاب موسى عن هذا الاستفهام ببيان ماهية المسئول عنه جريا على الظاهر، وببيان بعض منافعها استقصاء لمراد السائل أن يكون قد سأل عن وجه اتخاذه العصا بيده لأن شأن الواضحات أن لا يسأل عنها إلا والسائل يريد من سؤاله أمرا غير ظاهر، ولذلك لما قال النبيء صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: «أي يوم هذا؟» سكت الناس وظنوا أنه سيسميه بغير اسمه. وفي رواية أنهم قالوا: «الله ورسوله أعلم، فقال: أليس يوم الجمعة؟ ... » إلى آخره. فابتدأ موسى ببيان الماهية بأسلوب يؤذن بانكشاف حقيقة المسئول عنه، وتوقع أن السؤال عنه توسل لتطلب بيان وراءه. فقال: هي عصاي، بذكر المسند إليه، مع أن غالب الاستعمال حذفه في مقام السؤال للاستغناء عن ذكره في الجواب بوقوعه مسؤولا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٠٥) ↗