سورة طه · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وأنا اخترتك } أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس، وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه، تقتضي من الشكر ما يليق بها، ولهذا قال: { فاستمع لما يوحى } أي: ألق سمعك للذي أوحي إليك، فإنه حقيق بذلك، لأنه أصل الدين ومبدأه، وعماد الدعوة الإسلامية، ثم بين الذي يوحيه إليه بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } أي: الله المستحق الألوهية المتصف بها، لأنه الكامل في أسمائه وصفاته، المنفرد بأفعاله، الذي لا شريك له ولا مثيل ولا كفو ولا سمي، { فاعبدني } بجميع أنواع العبادة، ظاهرها وباطنها، أصولها وفروعها، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة، لفضلها وشرفها، وتضمنها عبودية القلب واللسان والجوارح. وقوله: { لذكري } اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة. قال الله تعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر [العنكبوت: 45] أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وهذا النوع يقال له توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة، فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: طه ١٣–١٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقيل: لأنه قدس مرتين، وطوى له البركة وكررت: والأول أصح، كقوله (1) {إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى} [النازعات: 16] . وقوله: {وأنا اخترتك} كقوله {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه. و [قد] (2) قيل: إن الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ [قال: لا. قال:] (3) لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك. وقوله: {فاستمع لما يوحى} أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك {إنني أنا الله لا إله إلا أنا} هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. وقوله: {فاعبدني} أي: وحدني وقم بعبادتي من غير شريك، {وأقم الصلاة لذكري} قيل: معناه: صل لتذكرني. وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي. ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: {وأقم الصلاة لذكري} (4) . وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (5) . وقوله: {إن الساعة آتية} أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها. وقوله: {أكاد أخفيها} قال الضحاك، عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها: "أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدا. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: من نفسه. وكذا قال مجاهد، وأبو صالح، ويحيى بن رافع. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أكاد أخفيها} يقول: لا أطلع عليها أحدا غيري. وقال السدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: "إني أكاد أخفيها من نفسي"، يقول: كتمتها عن الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
معنى الكلام عندهم: نودي يا موسى إني أنا ربك، وأنا اخترتك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قراء الكوفة. وأما عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرءوه: {وأنا اخترتك} [طه: 13] بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قراء أهل العلم بالقرآن، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه. وتأويل الكلام: نودي أنا اخترناك، فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه فاستمع إلى ما يوحى يقول: فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به. {إنني أنا الله} [طه: 14] يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي {فاعبدني} [طه: 14] يقول: فأخلص العبادة لي دون كل ما عبد من دوني
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٣١) ↗التحرير والتنوير
و (أو) هنا للتخيير، لأن إتيانه بقبس أمر محقق، فهو إما أن يأخذ القبس لا غير، وإما أن يزيد فيجد صاحب النار قاصدا الطريق مثله فيصحبه. وحرف على في قوله: أو أجد على النار هدى مستعمل في الاستعلاء المجازي، أي شدة القرب من النار قربا أشبه الاستعلاء، وذلك أن مشعل النار يستدني منها للاستنارة بضوئها أو للاصطلاء بها. قال الأعشى: وبات على النار الندى والمحلق وأراد بالهدى صاحب الهدى. وقد أجرى الله على لسان موسى معنى هذه الكلمة إلهاما إياه أنه سيجد عند تلك النار هدى عظيما، ويبلغ قومه منه ما فيه نفعهم. وإظهار النار لموسى رمز رباني لطيف إذ جعل اجتلابه لتلقي الوحي باستدعاء بنور في ظلمة رمزا على أنه سيتلقى ما به إنارة ناس بدين صحيح بعد ظلمة الضلال وسوء الاعتقاد. [11- 13] 13] فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) بني فعل النداء للمجهول زيادة في التشويق إلى استطلاع القصة، فإبهام المنادي يشوق سامع الآية إلى معرفته فإذا فاجأه إني أنا ربك علم أن المنادي هو الله تعالى فتمكن في النفس كمال التمكن. ولأنه أدخل في تصوير تلك الحالة بأن موسى ناداه مناد غير معلوم له، فحكي نداؤه بالفعل المبني للمجهول.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٩٥) ↗