سورة طه · الآية ١٢٠
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لما أكمل خلق آدم بيده، وعلمه الأسماء، وفضله، وكرمه، أمر الملائكة بالسجود له، إكراما وتعظيما وإجلالا، فبادروا بالسجود ممتثلين، وكان بينهم إبليس، فاستكبر عن أمر ربه، وامتنع من السجود لآدم وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] فتبينت حينئذ عداوته البليغة لآدم وزوجه، لما كان عدوا لله، وظهر من حسده، ما كان سبب العداوة، فحذر الله آدم وزوجه منه، وقال { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } إذا أخرجت منها، فإن لك فيها الرزق الهني، والراحة التامة. { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } أي: تصيبك الشمس بحرها، فضمن له استمرار الطعام والشراب، والكسوة، والماء، وعدم التعب والنصب، ولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال: ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظلمين [البقرة: 35] فلم يزل الشيطان يسول لهما، ويزين أكل الشجرة، ويقول: { هل أدلك على شجرة الخلد } أي: الشجرة التي من أكل منها خلد في الجنة. { وملك لا يبلى } أي: لا ينقطع إذا أكلت منها، فأتاه بصورة ناصح، وتلطف له في الكلام، فاغتر به آدم، وأكلا من الشجرة فسقط في أيديهما، وسقطت كسوتهما، واتضحت معصيتهما، وبدا لكل منهما سوأة الآخر، بعد أن كانا مستورين، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ليستترا بذلك، وأصابهما من الخجل ما الله به عليم. { وعصى ءادم ربه فغوى } فبادرا إلى التوبة والإنابة، وقالا: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] فاجتباه ربه، واختاره، ويسر له التوبة { فتاب عليه وهدى } فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها، ورجع كيد العدو عليه، وبطل مكره، فتمت النعمة عليه وعلى ذريته، ووجب عليهم القيام بها والاعتراف، وأن يكونوا على حذر من هذا العدو المرابط الملازم لهم، ليلا ونهارا يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه. وقال مجاهد والحسن: ترك. وقوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا. وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "الحجر" و"الكهف" (1) وسيأتي في آخر سورة "ص" (2) [إن شاء الله تعالى] . (3) يذكر فيها تعالى خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفا وتكريما، ويبين (4) عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديما؛ ولهذا قال تعالى: {فسجدوا إلا إبليس أبى} أي: امتنع واستكبر. {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} يعني: حواء، عليهما السلام {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} أي: إياك أن يسعى (5) في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا (6) كلفة ولا مشقة. {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر. {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} وهذان أيضا متقابلان، فالظمأ: حر الباطن، وهو العطش. والضحى: حر الظاهر. وقوله: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} قد تقدم أنه (7) {دلاهما بغرور} [الأعراف: 22] ؛ {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] . وقد
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٢٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 119] يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنة: {إن لك} [طه: 118] يا آدم {ألا تجوع فيها ولا تعرى} [طه: 118] . و «أن» في قوله {ألا تجوع فيها} [طه: 118] في موضع نصب بإن التي في قوله: {إن لك} [طه: 118] . وقوله: {وأنك لا تظمأ فيها} [طه: 119] اختلفت القراء في قراءتها، فقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة بالكسر: (وإنك) على العطف على قوله: {إن لك} [طه: 118] . وقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة والبصرة: وأنك، بفتح ألفها عطفا بها على «أن» التي في قوله: {ألا تجوع فيها} [طه: 118] . ووجهوا تأويل ذلك إلى أن لك هذا وهذا، فهذه القراءة أعجب القراءتين إلي، لأن الله تبارك وتعالى ذكره وعد ذلك آدم حين أسكنه الجنة، فكون ذلك بأن يكون عطفا على أن لا تجوع أولى من أن يكون خبر مبتدإ، وإن كان الآخر غير بعيد من الصواب. وعنى بقوله: {لا تظمأ فيها} [طه: 119] لا تعطش في الجنة ما دمت فيها {ولا تضحى} [طه: 119] يقول: لا تظهر للشمس فيؤذيك حرها، كما قال ابن أبي ربيعة: [البحر الطويل] رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت %~% فيضحى وأما بالعشي فيخصر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٨٧) ↗التحرير والتنوير
فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) قوله فوسوس إليه الشيطان تقدم مثله في الأعراف. والفاء لتعقيب مضمون جملتها على مضمون التي قبلها، وهو تعقيب نسبي بما يناسب مدة تقلب في خلالها بخيرات الجنة حتى حسده الشيطان واشتد حسده. وتعدية فعل (وسوس) هنا بحرف (إلى) وباللام في سورة الأعراف [20] فوسوس لهما الشيطان باعتبار كيفية تعليق المجرور بذلك الفعل في قصد المتكلم، فإنه فعل قاصر لا غنى له عن التعدية بالحرف، فتعديته بحرف (إلى) هنا باعتبار انتهاء الوسوسة إلى آدم وبلوغها إياه، وتعديته باللام في الأعراف باعتبار أن الوسوسة كانت لأجلهما. وجملة قال يا آدم [طه: 117] بيان لجملة فوسوس إليه الشيطان. وهذه الآية مثال للجملة المبينة لغيرها في علم المعاني. وهذا القول خاطر ألقاه الشيطان في نفس آدم بطريق الوسوسة وهي الكلام الخفي إما بألفاظ نطق بها الشيطان سرا لآدم لئلا يطلع عليه الملائكة فيحذروا آدم من كيد الشيطان، فيكون إطلاق القول عليه حقيقة وإما بمجرد توجه أراده الشيطان كما يوسوس للناس في الدنيا، فيكون إطلاق القول عليه مجازا باعتبار المشابهة. وهل أدلك استفهام مستعمل في العرض، وهو انسب المعاني المجازية للاستفهام لقربه من حقيقته. والافتتاح بالنداء ليتوجه إليه. والشجرة هي التي نهاه الله عن الأكل منها دون جميع شجر الجنة، ولم يذكر النهي عنها هنا وذكر في قصة سورة البقرة. وهذا العرض متقدم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٣٢٥) ↗