سورة البقرة · الآية ٩٥
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { قل } لهم على وجه تصحيح دعواهم: { إن كانت لكم الدار الآخرة } يعني الجنة { خالصة من دون الناس } كما زعمتم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فإن كنتم صادقين بهذه الدعوى { فتمنوا الموت } وهذا نوع مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم، إلا أحد أمرين: إما أن يؤمنوا بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم، وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم، فامتنعوا من ذلك. فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله، مع علمهم بذلك، ولهذا قال تعالى { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } من الكفر والمعاصي، لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى المجازاة بأعمالهم الخبيثة، فالموت أكره شيء إليهم، وهم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس، حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب. ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا فقال: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } وهذا أبلغ ما يكون من الحرص، تمنوا حالة هي من المحالات، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور، لم يغن عنهم شيئا ولا دفع عنهم من العذاب شيئا. { والله بصير بما يعملون } تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ٩٤–٩٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} أي: بعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {فتمنوا الموت} فسلوا الموت. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش -قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير-عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا. ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون (1) أهلا ولا مالا". حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله (2) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد (3) الرقي [أبي يزيد] (4) حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به (5) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد [قال] (6) : حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار،
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٣٣١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ولمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله إليهم مرسل وهم به مكذبون، وأنه لم يخبرهم خبرا إلا كان حقا كما أخبر، فهم يحذرون أن يتمنوا الموت خوفا أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٢٧٢) ↗التحرير والتنوير
… وتقدير بلا داع مع أن قوله: قل بئسما يأمركم به إيمانكم إلخ يتطلبه مزيد تطلب ونظائره في آيات القرآن كثيرة. على أن معنى ذلك التقدير لا يلاقي الكلام المتقدم المثبت أن إيمانهم أمرهم بهذا المذام فكيف ينفي بعد ذلك أن يكون إميانهم يأمرهم؟ وبئسما هنا نظير بئسما المتقدم في قوله: بئسما اشتروا به أنفسهم [البقرة: 90] سوى أن هذا لم يؤت له باسم مخصوص بالذم لدلالة قوله: وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم والتقدير بئسما يأمركم به إيمانكم عبادة العجل. [94، 95] قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) إبطال لدعوى قارة في نفوسهم اقتضاها قولهم: نؤمن بما أنزل علينا [البقرة: 91] الذي أرادوا به الاعتذار عن إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعذر أنهم متصلبون في التمسك بالتوراة لا يعدونها وأنهم بذلك استحقوا محبة الله إياهم وتكون الآخرة لهم فلما أبطلت دعوى إيمانهم بما أنزل عليهم بإلزامهم الكذب في دعواهم بسند ما أتاه سلفهم وهم جدودهم من الفظائع مع أنبيائهم والخروج عن أوامر التوراة بالإشراك بالله تعالى بعبادة العجل، عقب ذلك بإبطال ما في عقائدهم من أنهم أهل الانفراد برحمة الله ما داموا متمسكين بالتوراة وأن من خالفها لا يكون له حظ في الآخرة، وارتكب في إبطال اعتقادهم هذا طريقة الإحالة على ما عقدوا عليه اعتقادهم من الثقة بحسن المصير أو على شكهم في ذلك فإذا ثبت لديهم شكهم في ذلك علموا أن إيمانهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٦١٣) ↗