سورة البقرة · الآية ٧٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم، فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه، فيضعون له معاني ما أرادها الله، ليوهموا الناس أنها من عند الله، وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله، فكيف يرجى منهم إيمان لكم؟! فهذا من أبعد الأشياء. ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم، ما ليس في قلوبهم، { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض: { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } أي: أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم، فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟ يقولون: إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق، وما هم عليه باطل، فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم { أفلا تعقلون } أي: أفلا يكون لكم عقل فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض. { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين، فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم سرهم وعلنهم، فيظهر لعباده ما أنتم عليه. { ومنهم } أي: من أهل الكتاب { أميون } أي: عوام، ليسوا من أهل العلم، { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } أي: ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط، وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم، وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم. فذكر في هذه الآيات علماءهم وعوامهم، ومنافقيهم ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم لا بصيرة عندهم، فلا مطمع لكم في الطائفتين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ٧٥–٧٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قوله (1) تعالى: {إلا أماني} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: {إلا أماني} إلا أحاديث. وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: {إلا أماني} يقول: إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا. وقال مجاهد: إلا كذبا. وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا، وكانوا يتكلمون بالظن (2) بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه. وقال أبو العالية، والربيع وقتادة: {إلا أماني} يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {إلا أماني} قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم. قال ابن جرير: والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب -الذي أنزل (3) الله على موسى -شيئا، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ما تغنيت ولا تمنيت". يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب (4) . وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون (5) نبوتك بالظن. وقال مجاهد: {وإن هم إلا يظنون} يكذبون. وقال قتادة: وأبو العالية، والربيع: يظنون الظنون بغير الحق. وقوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} الآية: هؤلاء صنف (6) آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل. والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم. وقال عطاء بن يسار. الويل: واد في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 78]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/١٥٢) ↗التحرير والتنوير
78] ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) معطوف على قوله: وقد كان فريق منهم يسمعون [البقرة: 75] عطف الحال على الحال ومنهم خبر مقدم وتقديمه للتشويق إلى المسند إليه كما تقدم في قوله تعالى: ومن الناس من يقول [البقرة: 8] والمعنى كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم محرفين وفريق جهلة وإذا انتفى إيمان أهل العلم منهم المظنون بهم تطلب الحق المنجي والاهتداء إلى التفرقة بينه وبين الباطل فكانوا يحرفون الدين ويكابرون فيما يسمعون من معجزة القرآن في الإخبار عن أسرار دينهم فكيف تطمعون أيضا في إيمان الفريق الأميين الذين هم أبعد عن معرفة الحق وألهى عن تطلبه وأضل في التفرقة بين الحق والباطل وأجدر بالاقتداء بأئمتهم وعلمائهم فالفريق الأول هم الماضون. وعلى هذا فجملة ومنهم أميون معطوفة على جملة وقد كان فريق منهم إلخ باعتبار كونها معادلا لها من جهة ما تضمنته من كونها حالة فريق منهم وهذه حالة فريق آخر. وأما قوله: وإذا لقوا [البقرة: 76] وقوله: وإذا خلا [البقرة: 76] فتلك معطوفات على جملة وقد كان فريق عطف الحال على الحال أيضا لكن باعتبار ما تضمنته الجملة الأولى من قوله: يسمعون الذي هو حال من أحوال اليهود وبهذا لا يجيء في جملة ومنهم أميون التخيير المبني على الخلاف في عطف الأشياء المتعددة بعضها على بعض هل يجعل الأخير معطوفا على ما قبله من المعطوفات أو معطوفا على المعمول الأول لأن ذلك إذا كان مرجع العطف جهة واحدة وهنا قد اختلفت الجهة. والأمي من لا يعرف القراءة والكتابة والأظهر أنه منسوب إلى الأمة بمعنى عامة الناس فهو يرادف العامي، وقيل: منسوب إلى الأم وهي الوالدة أي أنه بقي على الحالة التي كان عليها مدة حضانة أمه إياه فلم يكتسب علما جديدا ولا يعكر عليه أنه لو كان كذلك لكان الوجه في النسب أن يقولوا أمهي بناء على أن النسب يرد الكلمات إلى أصولها وقد قالوا في جمع الأم: أمهات …
أكمل القراءة في الكتاب ↗