البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة البقرة · الآية ٣٩

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كرر الإهباط ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: { فإما يأتينكم مني هدى } أي: أي وقت وزمان جاءكم مني - يا معشر الثقلين - هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم من رضائي، { فمن تبع هداي } منكم، بأن آمن برسلي وكتبي واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. وفي الآية الأخرى: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى [طه: 123]. فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن والفرق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى أحدث الحزن، وإن كان منتظرا أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه من الخوف والحزن والضلال والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه فكفر به وكذب بآياته. ف { أولئك أصحب النار } أي: الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، { هم فيها خلدون } لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون. وفي هذه الآيات وما أشبهها، انقسام الخلق من الجن والإنس إلى أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب، كما أنهم مثلهم في الأمر والنهي. ثم شرع تعالى يذكر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ٣٨–٣٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة (1) عن أبي سعيد -واسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكن أقواما أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة". وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة به (2) . [وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما تقول: قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه] (3) . يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب، عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابن الشجاع، بارز الأبطال، يا ابن العالم، اطلب العلم ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ ". قالوا: اللهم نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشهد (4) " (5) وقال الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس؛ أن إسرائيل كقولك: عبد الله. وقوله تعالى: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٢٤١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الكفر: التغطية على الشيء {أولئك أصحاب النار} [البقرة: 39] يعني: أهلها الذين هم أهلها دون غيرهم المخلدون فيها أبدا إلى غير أمد ولا نهاية

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٥٩٢) ↗

التحرير والتنوير

قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) كررت جملة قلنا اهبطوا فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول وقلنا اهبطوا [البقرة: 36] وذلك قوله: بعضكم لبعض عدو [البقرة: 36] وقوله: فإما يأتينكم مني هدى. إذ قد فصل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم [البقرة: 37] فإنه لو عقب ذلك بقوله: فإما يأتينكم مني هدى لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: قلنا اهبطوا فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف قلنا لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: قلنا اهبطوا منها جميعا من قوله: وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو منزلة التوكيد اللفظي ثم بني عليه قوله: فإما يأتينكم مني هدى الآية وهو مغاير لما بني على قوله: وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ليحصل شيء من تجدد فائدة في الكلام لكي لا يكون إعادة اهبطوا مجرد توكيد ويسمى هذا الأسلوب في علم البديع بالترديد نحو قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب [آل عمران: 188] وإفادته التأكيد حاصلة بمجرد إعادة اللفظ (1) . وقيل هو أمر ثاني بالهبوط بأن أهبط آدم من الجنة إلى السماء الدنيا بالأمر الأول ثم أهبط من السماء الدنيا إلى الأرض فتكون إعادة قلنا اهبطوا للتنبيه على اختلاف زمن القولين والهبوط وهو تأويل يفيد أن المراحل والمسافات لا عبرة بها عند المسافر ولأن ضمير منها المتعين للعود إلى الجنة لتنسق الضمائر في قوله: وكلا منها رغدا [البقرة: 35]

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٤٤٠) ↗