سورة البقرة · الآية ٢٧٤
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليس عليك هدي الخلق، وإنما عليك البلاغ المبين، والهداية بيد الله تعالى، ففيها دلالة على أن النفقة كما تكون على المسلم تكون على الكافر ولو لم يهتد، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير } أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر { فلأنفسكم } أي: نفعه راجع إليكم { وما تنفقون إلا ابتغآء وجه } هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } يوم القيامة تستوفون أجوركم { وأنتم لا تظلمون } أي: تنقصون من أعمالكم شيئا ولا مثقال ذرة، كما لا يزاد في سيئاتكم. ثم ذكر مصرف النفقات الذين هم أولى الناس بها فوصفهم بست صفات أحدها الفقر، والثاني قوله: { أحصروا في سبيل الله } أي: قصروها على طاعة الله من جهاد وغيره، فهم مستعدون لذلك محبوسون له، الثالث عجزهم عن الأسفار لطلب الرزق فقال: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } أي: سفرا للتكسب، الرابع قوله: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } وهذا بيان لصدق صبرهم وحسن تعففهم. الخامس: أنه قال: { تعرفهم بسيماهم } أي: بالعلامة التي ذكرها الله في وصفهم، وهذا لا ينافي قوله: { يحسبهم الجاهل أغنيآء } فإن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، وأما الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، السادس قوله: { لا يسألون الناس إلحافا } أي: لا يسألونهم سؤال إلحاف، أي: إلحاح، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا، فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات، وأما النفقة من حيث هي على أي شخص كان، فهي خير وإحسان وبر يثاب عليها صاحبها ويؤجر، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم }. ثم ذكر حالة المتصدقين في جميع الأوقات على جميع الأحوال فقال: الذين ينفقون أموالهم في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: {ليس عليك هداهم} إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين (1) . وسيأتي عند قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} الآية [الممتحنة:8] حديث أسماء بنت الصديق في ذلك [إن شاء الله تعالى] (2) . وقوله: {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} كقوله {من عمل صالحا فلنفسه} [فصلت: 46، الجاثية: 15] ونظائرها في القرآن كثيرة (3) . وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله} قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن -إذا أنفق -إلا ابتغاء وجه الله. وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه (4) في نفس الأمر لمن أصاب: ألبر أو فاجر أو مستحق أو غيره، هو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} والحديث المخرج في الصحيحين، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني! فقال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته" (5) . وقوله: {للفقراء الذين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 274] حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر، عن أيمن بن نابل، قال: حدثني شيخ، من غافق: أن أبا الدرداء، كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين PageEndV05P036 البراذين والهجن، فيقول: أهل هذه يعني الخيل من {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 274] " وقال آخرون: عنى بذلك قوما أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٣٥) ↗التحرير والتنوير
يسألون، وتعين أن قوله: لا يسئلون الناس إلحافا تعريض بالملحفين في السؤال، أي زيادة فائدة في عدم السؤال. وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم. أعيد التحريض على الإنفاق فذكر مرة رابعة، وقوله: فإن الله به عليم كناية عن الجزاء عليه لأن العلم يكنى به عن أثره كثيرا، فلما كان الإنفاق مرغبا فيه من الله، وكان علم الله بذلك معروفا للمسلمين، تعين أن يكون الإخبار بأنه عليم به أنه عليم بامتثال المنفق، أي فهو لا يضيع أجره إذ لا يمنعه منه مانع بعد كونه عليما به، لأنه قدير عليه. وقد حصل بمجموع هذه المرات الأربع من التحريض ما أفاد شدة فضل الإنفاق بأنه نفع للمنفق، وصلة بينه وبين ربه، ونوال الجزاء من الله، وأنه ثابت له في علم الله. [274] 274] الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) جملة مستأنفة تفيد تعميم أحوال فضائل الإنفاق بعد أن خصص الكلام بالإنفاق للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، فاسم الموصول مبتدأ، وجملة فلهم أجرهم خبر المبتدأ. وأدخل الفاء في خبر الموصول للتنبيه على تسبب استحقاق الأجر على الإنفاق لأن المبتدأ لما كان مشتملا على صلة مقصود منها التعميم، والتعليل، والإيماء إلى علة بناء الخبر على المبتدأ- وهي ينفقون- صح إدخال الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط لأن أصل الفاء الدلالة على التسبب وما أدخلت في جواب الشرط إلا لذلك. والسر: الخفاء. والعلانية: الجهر والظهور. وذكر عند ربهم لتعظيم شأن الأجر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٧٧) ↗