سورة البقرة · الآية ٢٤٥
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، { فقال لهم الله موتوا } فماتوا { ثم } إن الله تعالى { أحيهم } إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال: { إن الله لذو فضل } أي: عظيم { على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فلا تزيدهم النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم. ثم أمر تعالى بالقتال في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال: { وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك، ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى، { فيضعفه له أضعافا كثيرة } الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: { والله يقبض ويبسط } أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانوا أهل قرية يقال لها: داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قبل واسط. وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مثل. وقال علي بن عاصم: كانوا: من أهل داوردان: قرية على فرسخ من واسط. وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا: نأتي أرضا ليس بها (1) موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم (2) موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} الآية. وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا (3) أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارا من الموت إلى البرية، فنزلوا واديا أفيح، فملأوا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور [وفنوا] (4) وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحما وعصبا وجلدا. فكان ذلك، وهو يشاهده ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره. فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك [اللهم ربنا وبحمدك] (5) لا إله إلا أنت. وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه. وإنما سماه الله تعالى ذكره قرضا؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له ليقضيه مثله إذا اقتضاه. فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة، والفاقة في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٤/٤٢٨) ↗التحرير والتنوير
وافتتاح الجملة بقوله: واعلموا للتنبيه على ما تحتوي عليه من معنى صريح وتعريض، وقد تقدم قريبا عند قوله تعالى: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه [البقرة: 223] . [245] 245] من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون (245) اعتراض بين جملة: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم [البقرة: 243] إلى آخرها، وجملة ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل [البقرة: 246] الآية، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر، لمناسبة الحث على القتال، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العدة والمئونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلا في سبيل الله بإعطاء العدة لمن لا عدة له، والإنفاق على المعسرين من الجيش، وفيها تبيين لمضمون جملة: واعلموا أن الله سميع عليم [البقرة: 244] فكانت ذات ثلاثة أغراض. والقرض إسلاف المال ونحوه بنية إرجاع مثله، ويطلق مجازا على البذل لأجل الجزاء، فيشمل بهذا المعنى بذل النفس والجسم رجاء الثواب، ففعل (يقرض) مستعمل في حقيقته ومجازه. والاستفهام في قوله: من ذا الذي يقرض الله مستعمل في التحضيض والتهييج على الاتصاف بالخير كأن المستفهم لا يدري من هو أهل هذا الخير والجدير به، قال طرفة: إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد و (ذا) بعد أسماء الاستفهام قد يكون مستعملا في معناه كما تقول وقد رأيت شخصا لا تعرفه: (من ذا) فإذا لم يكن في مقام الكلام شيء يصلح لأن يشار إليه بالاستفهام كان استعمال (ذا) بعد اسم الاستفهام للإشارة المجازية بأن يتصور المتكلم في ذهنه شخصا موهوما مجهولا صدر منه فعل فهو يسأل عن تعيينه، وإنما يكون ذلك للاهتمام بالفعل الواقع وتطلب معرفة فاعله ولكون هذا الاستعمال يلازم ذكر فعل بعد اسم الإشارة، قال النحاة كلهم بصريهم وكوفيهم: بأن (ذا) مع الاستفهام تتحول إلى اسم موصول مبهم غير معهود، فعدوه اسم موصول، وبوب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗