سورة البقرة · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ظلمة عظيمة وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده معدة، بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما فيه من المخاوف وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور وذهب معه السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها، وبعد ذلك ظلمة النار [وبئس القرار] فلهذا قال تعالى [عنهم]: { صم } أي: عن سماع الخير، { بكم } [أي]: عن النطق به، { عمي } عن رؤية الحق، { فهم لا يرجعون } لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعا منهم. ثم قال تعالى: { أو كصيب من السمآء } يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل بكثرة، { فيه ظلمت } ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات المطر، { ورعد }: وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، { وبرق }: وهو الضوء [اللامع] المشاهد مع السحاب. { كلما أضآء لهم } البرق في تلك الظلمات { مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا } أي: وقفوا. فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] وقال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] ، وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم %~% هم القوم كل القوم يا أم خالد (2) قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد (3) إلى الجمع، في قوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون} وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} أي: ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان {وتركهم في ظلمات} وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، {لا يبصرون} لا يهتدون إلى سبل (4) خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك {صم} لا يسمعون خيرا {بكم} لا يتكلمون بما ينفعهم {عمي} في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة. ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه: قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله} زعم أن ناسا دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد نارا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه (5) فبينا (6) هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [عرف] (7) الخير والشر، فبينا (8) هو كذلك إذ كفر، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أسرارهم، وسلبه ضياء أنوارهم من تركهم في ظلم أهوال يوم القيامة يترددون، وفي حنادسها لا يبصرون؛ فبين أن قوله جل ثناؤه: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، صم بكم عمي فهم لا يرجعون؛ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، أو كمثل صيب من السماء. وإذ كان ذلك معنى الكلام، فمعلوم أن قوله: {صم بكم عمي} [البقرة: 18] يأتيه الرفع
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١/٣٤٥) ↗التحرير والتنوير
… قوله تعالى: وما هم بمؤمنين إلى الكذب، وقوله: يخادعون [البقرة: 9] إلى المكيدة والجبن، وقوله: ما يخدعون إلا أنفسهم [البقرة: 9] إلى أفن الرأي، وقوله: وما يشعرون [البقرة: 9] إلى البله، وقوله: في قلوبهم مرض [البقرة: 10] إلى سوء السلوك، وقوله: فزادهم الله مرضا [البقرة: 10] إلى دوام ذلك وتزايده مع الزمان، وقوله: قالوا إنما نحن مصلحون [البقرة: 11] إلى إضاعة العمر في غير المقصود، وقوله: قالوا إنا معكم [البقرة: 14] مؤكدا بإن إلى قلة ثقة أصحابهم فيهم، وقوله: فما ربحت تجارتهم [البقرة: 16] إلى أن أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم، وقوله: صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 18] إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا، وجمع عند قوله تعالى: في قلوبهم مرض. والناس اسم جمع إنسي بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أناسي الذي هو الجمع القياسي لإنس وقد عوضوا عن أناسي أناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب، دل على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ القيس:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٢٦١) ↗