سورة البقرة · الآية ١٥٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تبارك وتعالى، الأمر بالاستعانة بالصبر على جميع الأمور، ذكر نموذجا مما يستعان بالصبر عليه، وهو الجهاد في سبيله، وهو أفضل الطاعات البدنية وأشقها على النفوس لمشقته في نفسه، ولكونه مؤديا للقتل وعدم الحياة، التي إنما يرغب الراغبون في هذه الدنيا لحصول الحياة ولوازمها، فكل ما يتصرفون به فإنه سعي لها، ودفع لما يضادها. ومن المعلوم أن المحبوب لا يتركه العاقل إلا لمحبوب أعلى منه وأعظم، فأخبر تعالى: أن من قتل في سبيله، بأن قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه الظاهر، لا لغير ذلك من الأغراض، فإنه لم تفته الحياة المحبوبة، بل حصل له حياة أعظم وأكمل مما تظنون وتحسبون. فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين [آل عمران: 169 - 171]. فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله تعالى، وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة، والرزق الروحي، وهو الفرح والاستبشار، وزوال كل خوف وحزن، وهذه حياة برزخية أكمل من الحياة الدنيا، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وفي هذه الآية أعظم حث على الجهاد في سبيل الله، وملازمة الصبر عليه، فلو شعر العباد بما للمقتولين في سبيل الله من الثواب لم يتخلف عنه أحد، ولكن عدم العلم اليقيني التام، هو الذي فتر العزائم، وزاد نوم النائم، وأفات الأجور العظيمة والغنائم، لم لا يكون كذلك والله تعالى قد: اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون [التوبة: 111]. فوالله لو كان للإنسان ألف نفس، تذهب نفسا فنفسا في سبيل الله، لم يكن عظيما في جانب هذا الأجر العظيم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا، وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتى نقتل فيك مرة أخرى؛ لما يرون من ثواب الشهادة -فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون" (1) . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (2) . ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضا، وإن كان الشهداء قد خصصوا (3) بالذكر في القرآن، تشريفا لهم وتكريما وتعظيما (4) . أخبر تعالى أنه يبتلي عباده [المؤمنين] (5) أي: يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] فتارة بالسراء، وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [النحل: 112] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا {بشيء من الخوف والجوع} أي: بقليل من ذلك {ونقص من الأموال} أي: ذهاب بعضها {والأنفس} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب {والثمرات} أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها. كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه [الله] (6) ومن قنط أحل [الله] (7) به عقابه. ولهذا قال: {وبشر الصابرين} وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف (8) هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان، ونقص (9) الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد. وفي هذا نظر، والله أعلم. ثم بين تعالى من الصابرون (10) الذين شكرهم، قال: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٦٩٨) ↗التحرير والتنوير
… والكفران مراتب أعلاها جحد النعمة وإنكارها ثم قصد إخفائها، ثم السكوت عن شكرها غفلة وهذا أضعف المراتب وقد يعرض عن غير سوء قصد لكنه تقصير. قال ابن عرقة: «ليس عطف قوله: ولا تكفرون بدليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده وذلك لأن الأمر بالشكر مطلق (أي لأن الأمر لا يدل على التكرار فلا عموم له) فيصدق بشكره يوما واحدا فلما قال ولا تكفرون أفاد النهي عن الكفر دائما» اه، يريد لأن الفعل في سياق النهي يعم، مثل الفعل في سياق النفي لأن النهي أخو النفي. [153، 154] 154] يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) هذه جمل معترضة بين قوله تعالى: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [البقرة: 150] وما اتصل به من تعليله بقوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة [البقرة: 150] وما عطف عليه من قوله: ولأتم نعمتي عليكم [البقرة: 150] إلى قوله: واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة: 152] وبين قوله: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب [البقرة: 177] لأن ذلك وقع تكملة لدفع المطاعن في شأن تحويل القبلة فله أشد اتصال بقوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة المتصل بقوله: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره [البقرة: 150] . وهو اعتراض مطنب ابتدئ به إعداد المسلمين لما هم أهله من نصر دين الله شكرا له على خولهم من النعم المعدودة في الآيات السالفة من جعلهم أمة وسطا وشهداء على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٥١) ↗