سورة البقرة · الآية ١٤٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم وعرفوا أن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به حق وصدق، وتيقنوا ذلك كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وصلت إلى حد لا يشكون فيه ولا يمترون، ولكن فريقا منهم - وهم أكثرهم - الذين كفروا به، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها، وهم يعلمون ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله [البقرة: 140] وفي ضمن ذلك تسلية للرسول والمؤمنين، وتحذير لهم من شرهم وشبههم، وفريق منهم لم يكتموا الحق وهم يعلمون، فمنهم من آمن [به] ومنهم من كفر [به] جهلا فالعالم عليه إظهار الحق وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه وتقبيحه للنفوس، بكل طريق مؤد لذلك، فهولاء الكاتمون عكسوا الأمر، فانعكست أحوالهم. { الحق من ربك } أي: هذا الحق الذي هو أحق أن يسمى حقا من كل شيء، لما اشتمل عليه من المطالب العالية والأوامر الحسنة، وتزكية النفوس وحثها على تحصيل مصالحها ودفع مفاسدها، لصدوره من ربك، الذي من جملة تربيته لك أن أنزل عليك هذا القرآن الذي فيه تربية العقول والنفوس، وجميع المصالح. { فلا تكونن من الممترين } أي: فلا يحصل لك أدنى شك وريبة فيه، بل تفكر فيه وتأمل حتى تصل بذلك إلى اليقين، لأن التفكر فيه لا محالة، دافع للشك، موصل لليقين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: البقرة ١٤٦–١٤٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره. ولهذا قال مخاطبا للرسول، والمراد الأمة: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] . يخبر تعالى (1) أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم [كما يعرفون أبناءهم] (2) كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا؟ " قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (3) . [قال القرطبي: ويروى أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ولدك ابنك، قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين، في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمره. قلت: وقد يكون المراد {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} من بين أبناء الناس لا يشك أحد ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] (4) . ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق (5) والإتقان العلمي {ليكتمون الحق} أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم {وهم يعلمون} ثم ثبت تعالى نبيه (6) والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء (7) به الرسول (8) صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال العوفي، عن ابن عباس: {ولكل وجهة هو موليها} يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون. وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة [الموقنون] (9) للقبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٤٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن، ومن بعده من أنبياء الله عز وجل. يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحق الذي أتاك من ربك يا محمد ولا تكونن من الممترين، يعني بقوله {فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] أي فلا تكونن من الشاكين في أن القبلة التي وجهتك نحوها قبلة إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٦٧٣) ↗التحرير والتنوير
الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) تذييل لجملة: وإن فريقا منهم ليكتمون الحق [البقرة: 146] ، على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحق، وحذف المسند إليه في مثل هذا مما جرى على متابعة الاستعمال في حذف المسند إليه بعد جريان ما يدل عليه مثل قولهم بعد ذكر الديار «ربع قواء» وبعد ذكر الممدوح «فتى» ونحو ذلك كما نبه عليه صاحب «المفتاح» . وقوله: فلا تكونن من الممترين نهى عن أن يكون من الشاكين في ذلك والمقصود من هذا. والتعريف في الحق تعريف الجنس كما في قوله: الحمد لله [الفاتحة: 2] وقولهم الكرم في العرب هذا التعريف لجزئي الجملة الظاهر والمقدر يفيد قصر الحقيقة على الذي يكتمونه وهو قصر قلب أي لا ما يظهرونه من التكذيب وإظهار أن ذلك مخالف للحق. والامتراء افتعال من المراء وهو الشك، والافتعال فيه ليس للمطاوعة ومصدر المرية لا يعرف له فعل مجرد بل هو دائما بصيغة الافتعال. والمقصود من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ولئن اتبعت [البقرة: 120] ، وقوله: فلا تكونن من الممترين تحذير الأمة وهذه عادة القرآن في كل تحذير مهم ليكون خطاب النبيء بمثل ذلك وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى وأولاهم بكرامته دليلا على أن من وقع في مثل ذلك من الأمة قد حقت عليه كلمة العذاب، وليس له من النجاة باب، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله: من ربك وقوله: فلا تكونن خطابا لغير معين من كل من يصلح ها الخطاب. [148] ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) عطف على جملة: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [البقرة: 146] ، فهو من تمام الاعتراض، أو عطف على جملة: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك [البقرة: 145] مع اعتبار ما استؤنف عنه من الجمل، ذلك أنه بعد أن لقن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجيب به عن قولهم ما ولاهم عن قبلتهم، وبعد أن بين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗