البيانابحثاسألالموضوعات

سورة البقرة · الآية ١٣١

﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ما يرغب { عن ملة إبراهيم } بعد ما عرف من فضله { إلا من سفه نفسه } أي: جهلها وامتهنها ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن حالته في الدنيا والآخرة فقال: { ولقد اصطفيناه في الدنيا } أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الذين لهم أعلى الدرجات. { إذ قال له ربه أسلم قال } امتثالا لربه { أسلمت لرب العالمين } إخلاصا وتوحيدا، ومحبة وإنابة، فكان التوحيد لله نعته. ثم ورثه في ذريته ووصاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه. فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال: { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } أي: اختاره وتخيره لكم رحمة بكم، وإحسانا إليكم، فقوموا به واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. ولما كان اليهود يزعمون أنهم على ملة إبراهيم، ومن بعده يعقوب، قال تعالى منكرا عليهم: { أم كنتم شهدآء } أي: حضورا { إذ حضر يعقوب الموت } أي: مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار، ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به: { ما تعبدون من بعدي }؟ فأجابوه بما قرت به عينه فقالوا: { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا } فلا نشرك به شيئا، ولا نعدل به أحدا، { ونحن له مسلمون } فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب، لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية لا باليهودية. ثم قال تعالى: { تلك أمة قد خلت } أي: مضت { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } أي: كل له عمله، وكل سيجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 67، 68] . وقوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} أي: أمره الله (1) بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا. وقوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} أي: وصى بهذه الملة (2) وهي الإسلام لله [أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: {أسلمت لرب العالمين} ] (3) . لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ كقوله تعالى: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} [الزخرف: 28] وقد قرأ بعض السلف "ويعقوب" بالنصب عطفا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك، وقد ادعى القشيري، فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [الآية: 27] وقال في الآية الأخرى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} [الأنبياء: 72] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" الحديث (4) . فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس -وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه -وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢/٥٨٠) ↗

التحرير والتنوير

… انقياد إذ الانقياد إنما يحصل بالأعمال، وانقياد المغلوب المكره إسلام لم ينشأ عن اعتقاد إيمان، إلا أن صورتي الانفراد في الإيمان والإسلام نادرتان. ألهم الله إبراهيم اسم الإسلام ثم ادخره بعده للدين المحمدي فنسي هذا الاسم بعد إبراهيم ولم يلقب به دين آخر لأن الله أراد أن يكون الدين المحمدي إتماما للحنيفية دين إبراهيم وسيجيء بيان لهذا عند قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا في سورة آل عمران [67] . ومعنى طلب أن يجعلهما مسلمين هو طلب الزيادة في ما هما عليه من الإسلام وطلب الدوام عليه، لأن الله قد جعلهما مسلمين من قبل كما دل عليه قوله: إذ قال له ربه أسلم [البقرة: 131] الآية. وقوله: ومن ذريتنا أمة مسلمة لك يتعين أن يكون من ذريتنا ومسلمة معمولين لفعل واجعلنا بطريق العطف، وهذا دعاء ببقاء دينهما في ذريتهما، و (من) في قوله: ومن ذريتنا للتبعيض، وإنما سألا ذلك لبعض الذرية جمعا بين الحرص على حصول الفضيلة للذرية وبين الأدب في الدعاء لأن نبوءة إبراهيم تقتضي علمه بأنه ستكون ذريته أمما كثيرة وأن حكمة الله في هذا العالم جرت على أنه لا يخلو من اشتماله على الأخيار والأشرار فدعا الله بالممكن عادة، وهذا من أدب الدعاء وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: قال ومن ذريتي [البقرة: 124] . ومن هنا ابتدئ التعريض بالمشركين الذين أعرضوا عن التوحيد واتبعوا الشرك، والتمهيد لشرف الدين المحمدي.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٧٢٠) ↗